الحياة الدنيا في القرآن

الــحــيــــاة الــدنــيــــا في القرآن

  • إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. يونس 24
  • وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً. الكهف 45
  • ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ. الحديد 20

 

عند التأمل في تشبيه الحياة الدنيا بالماء الذي ما ورد في القرآن إلا في سياق بيان نعم الله و فضله و كرمه على عباده، وبيان تجليات قدرته وحكمته و لطفه سبحانه، ينقدح في الذهن سؤال لا بد من إجابته بما يشرح الصدر و يزيل الإيهام. و السؤال هو : كيف يشبه الله سبحانه الحياة الدنيا بالماء الذي جعله سبباً للنعم و الرزق ؟ و هل يسوغ أن تتمحض الحياة الدنيا  في نظر المؤمن للشر و الفساد – كما يردد كثير من الزهاد والواعظين – والله سبحانه يشبه حالها وطبيعتها بالماء النازل من السماء بركة وسبباً للنعم و الأرزاق ؟

 

وعند محاولة الإجابة عن هذا السؤال نذكر أن الحياة الدنيا هي سبب لدخول الجنان و نيل الرضوان و سبب للكرامة يوم القيامة و سبب للنعيم المقيم في الآخرة. و القرآن الكريم يحدثنا أن جزاء المؤمنين و إكرامهم و فوزهم بالنعيم كان جزاء لما كانوا يعملون في الدنيا و ما كانوا يكسبون في الدنيا و ما كانوا يتقون أو ينفقون في الحياة الدنيا. و لولا دخول المؤمنين دار الإبتلاء في الدنيا لما استحقوا الجزاء والنجاح في الآخرة، ولما تميز الخبيث من الطيب ولما تحقق العدل الإلهي المطلق.

عند النظر إلى تشبيه الحياة الدنيا بما أنزله الله من السماء من ماء، آخذين بعين الإعتبار مقارنة جزئيات التشبيه وتفاصيل أركانه، ينفتح أمامنا أفق في فهم أمثال القرآن و دروسها و مواعظها لم نكن قادرين على ارتياده لو اقتصر اهتمامنا على الصورة الإجمالية للتشبيه كما التزمها  المفسرون.

ففي ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، ضرب الله سبحانه مثل الحياة الدنيا بالماء الذي أنزله الله من السماء. و لكن هذا المثل كان في كل الآيات يأتي في سياق بيان ما تؤول إليه نعمة الماء في النبات و زينتة و بهجته  من الإضمحلال و الزوال و الهلاك. و قد أكّد المفسرون أن المثل هو لبيان تقلب الدنيا بأهلها واضمحلال زينتها وزوال بهجتها وأنها ليست بدار مقام وخلود. وقد كان المفسرون في توضيحهم لمعنى الأمثال ينطلقون من افتراضهم أن المقصود بالأمثال هو تشبيه الصورة الإجمالية للمشبه بالصورة الإجمالية للمشبه به، ولم يكن من منهجهم وطريقتهم أن ينظروا إلى جزئيات المثل أو تفاصيل عناصره, أو يحتفلوا بانطباق خصائص هذه العناصر و الجزئيات أو عدم انطباقها.

لقد ذكر الله سبحانه و تعالى الماء الذي أنزله من السماء في سياق بيان الفضل و المنة و الرحمة و العطاء و تصريف الكون لخدمة الإنسان و سد حاجاته من الطعام و الشراب و الزينة و البهجة و الجمال في ثمانية و عشرين  موضعاً في القرآن الكريم. وجعل الله سبحانه الماء سبباً في حصول الكثير الكثير من النعم و الأرزاق و أنواع المتعة. و جعل الله سبحانه و تعالى الماء و عجائب الخلق و اللطف المرتبطة به آيات للتفكر و التدبر و التعقل ليصل الإنسان إلى الإيمان بالله و ربوبيته و قدرته و ينضبط سلوكه بصبغة الربانية و الخضوع فيستحق المكافأة في دار النعيم المقيم.

 

فتشبيه الحياة الدنيا بالماء النازل من السماء هو تشبيه لأصل طبيعة كل منهما من جعل الله سبحانه الحياة الدنيا سبباً لنيل نعيم الآخرة كما جعل الماء النازل من السماء سبباً لنعيم الدنيا و مافيها من رزق و زينة و جمال. فالحياة الدنيا هي سبب لنعيم الآخرة بأداء وظيفة الإستخلاف في الأرض بعمارتها و تسخيرها و ارتفاقها و دفع الظلم و الفساد عنها لتكون الحياة الدنيا طيبة و معاشاً و زينة و جمالاً يستمتع بها المؤمن مع ملاحظة معنى الإذن الإلهي وتأدية الشكر و الحمد للمنعم المتفضل.

فإذا غفل الإنسان عن معنى الإذن الإلهي و انساق وراء ما أودعه الله في فطرته من حب الزينة و المتاع و أصابه العُجب و استعظم ما أولاه الله سبحانه من نعم و نسي المنعم و أصابه الغرور فحسب أن ما يعيشه من نعيم و زينة دائم لا يفنى و لا يبلى و قال ” ما أظن أن تبيد هذه أبداً “، فعندها يأتي التذكير بسرعة انقضاء الحياة الدنيا و زوال بهجتها و نضرتها و استحالتها إلى هشيم تذروه الرياح، ليلجم الشاردين الذين أخرجوا الحياة الدنيا عن وظيفتها وطبيعتها وأنها دار ابتلاء وتنافس في الخير واستباق للفضل واغتنام للأوقات واكتساب للأجر و المثوبة عند الله.

فالذم للحياة الدنيا على الإطلاق ( كما يورده أهل المواعظ و من تابعهم من المفسرين )، لا يستقيم مع القضاء الكوني لله تعالى الذي جعل الدنيا مزرعة الآخرة و طريق الجنة و وسيلة نيل الدرجات و الرضوان في دار الكرامة.

و قد ورد الذم للدنيا في القرآن في حال الإغترار بها واستحباب زينتها والغفلة عن اغتنامها للتنافس في الخير. و ورد النهي في القرآن عن إيثار الحياة الدنيا والركون إلى متعتها و زينتها التي قضت حكمة الخالق سبحانه أن يجعل تلك الزينة المحببة للنفس ابتلاءً يبين من اختار السلوك الأخلاقي و ضبط النفس عن رعوناتها، نتيجة ايمان و وعي بحقيقة الحياة الدنيا وايمان باليوم الآخر وانتظار الجزاء المناسب لمن أحسن ولمن أساء.

و من هنا يأتي المثل القرآني في تمثيل الحياة الدنيا بالماء النازل من السماء لينبه على أصل معنى الإبتلاء بالنعم و الزينة، و حتى لا يغلو الناس في ذم الدنيا بما يؤدي إلى إهمال وظيفة الخلافة في الأرض و إهمال عمارة الكون و السعي في رفع الظلم و الفساد، بمواعظ يغلب عليها الدعوة إلى الكسل و البطالة و القعود عن الضرب في الأرض و ابتغاء فضل الله، و يغلب عليها الغفلة عن بذل الجهد لامتلاك الكفايات من المهارات و القدرات للإصلاح و نفع الناس و سد حاجاتهم.

وقد وقفت عند الإمام الشاطبي في الموافقات على كلام نفيس في سياق حديثه عن التعارض بين الأدلة. يؤكد ما يقرره المثل القرآني من الفهم عن طبيعة الحياة الدنيا في القرآن الكريم.

قال رحمه الله باختصار: ( وأما التعارض باعتبارين مختلفين فمثاله أن الله سبحانه وصف الدنيا بوصفين كالمتضادين. وصف يقضي بذمها و عدم الإلتفات إليها وترك اعتبارها. ووصف يقتضي مدحها والإلتفات إليها وأخذ ما فيها بيد القبول لأنه عطاء عظيم مهدي من ملك عظيم. فالوصف الأول له وجهان : أحدهما أنها لا جدوى لها ولا محصول عندها. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً . وعلى هذا المنوال نسج الزهاد ما نقل عنهم من ذم الدنيا وأنها لا شيء. والثاني أنها كالظل الزائل و الحلم المنقطع. فهناك الكثير من الآيات والأحاديث المفهمة لمعنى الإنقطاع و الزوال وبذلك تصير كأن لم تكن. وهو حادي الزهاد إلى الدار الباقية.

وأما الثاني من الوصفين فله وجهان أيضاً: أحدهما ما فيها من دلالة على وجود الصانع و وحدانيته و صفاته العلى. و على الدار الآخرة. مثل الكثير من الآيات التي هي دلائل على العقائد و براهين على التوحيد. و الثاني أنها منن ونعم امتن الله بها على عباده و تعرف إليهم بها في أثناء ذلك. واعتبرها ودعا إليها ونصبها لهم وبثها فيهم. فامتن الله سبحانه في الكثير من الآيات وعرّف بنعم من جملتها الجمال و الزينة وهو الذي ذم به الدنيا . بل عندما عرّف بنعيم الآخرة امتن بأمثاله في الدنيا كقوله تعالى ( في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ) وقوله ( والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ) وقوله ( لهم فيها أزواج مطهرة ). وأنزل الأحكام و شرع الحلال والحرام تخليصاً لهذه النعم التي خلقها من شوائب الكدرات الدنيويات و الأخرويات. و قال تعالى ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) أي في هذه الحياة الدنيا ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) أي في الآخرة. وقال تعالى ( ولتبتغوا من فضله ) فجعل طلب الدنيا فضلاً كما جعل حب الإيمان وبغض الكفر فضلاً. و الدلائل على هذا المعنى أكثر من الإستقصاء.

فاقتضى الوصف الأول المضادة للثاني. وهو ظاهر. فإن عدم اعتبارها وأنها لعب لا محصول له مضادٌ لكونها نعماً و فضلاً. وأن كونها زائلة وظلاً يتقلص عما قريب مضاد لكونها براهين على وجود الباري و وحدانيته واتصافه بصفات الكمال و على أن الآخرة حق. فهي مرآة يرى فيها الحق كل ما هو حق. وهذا لا تنفصل فيه الدنيا من الآخرة . بل هو في الدنيا لا يفنى.

فالوصفان إذن متضادان والشريعة  منزهة عن التضاد مبرأة من الإختلاف فلزم من ذلك أن توارد الوصفين على جهتين مختلفتين أو حالتين متنافيتين. و بيان ذلك أن لها نظران :

أحدهما : نظر مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا من كونها متعرفاً للحق و مستحقاً لشكر الواضع لها بل إنما يعتبر فيها كونها عيشاً و مقتنصاً لللذات ومآلاً للشهوات انتظاماً في سلك البهائم. فظاهر من هذه الجهة أنها قشر بلا لب ولعب بلا جد وباطل بلا حق. لأن صاحب هذا النظر لم ينل منها إلا مأكولاً و مشروباً و ملبوساً و منكوحاً و مركوباً من غير زائد ثم يزول عن قريب فلا يبقى منه شيء. فذلك كأضغاث الأحلام . فكل ما وصفته الشريعة فيها على هذا الوجه حق. وهو نظر الكفار الذين لم يبصروا منها إلا ما وصفه الله تعالى من أنها لهو و لعب و زينة وغير ذلك.

و النظر الثاني نظر غير مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا فظاهر أنها ملآى بالمعارف و الحكم ، مبثوث فيها من كل شيء خطير مما لا يقدر على تأدية شكر بعضه. فإذا نظر إليها العاقل وجد كل شيء فيها نعمة يجب شكرها فانتدب إلى ذلك حسب قدرته و تهيئته فصار ذلك القشر محشواً لباً. بل صار القشر نفسه لباً لأن الجميع نعم طالبة للعبد أن يشكر لله بها و عليها. فلا دِقّ ولا جِلّ في هذه الوجوه إلا و العقل عاجز عن بلوغ أدنى ما فيه من الحكم والنعم. و من هنا أخبر تعالى عن الدنيا أنها جد وأنها حق. كقوله ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ) و قوله ( وما خلقنا السماء و الأرض وما بينهما باطلاً ). ولأجل هذا صارت أعمال أهل هذا النظر معتبرة مثبتة . فالدنيا من جهة النظر الأول مذمومة وليست مذمومة من جهة النظر الثاني بل هي محمودة. فذمها بإطلاق لا يستقيم كما أن مدحها بإطلاق لا يستقيم. والآخذ لها من الجهة الأولى مذموم يسمى أخذه رغبة في الدنيا و حباً في العاجلة. وضده هو الزهد فيها وهو تركها من تلك الجهة ولا شك أنه مطلوب. والأخذ لها من الجهة الثانية غير مذموم ولا يسمى أخذه رغبة فيها ولا الزهد فيها من هذه الجهة محمود بل يسمى سفهاً و كسلاً و تبذيراً. و من هنا وجب الحجر على صاحب هذه الحالة شرعاً . و لأجله كان الصحابة طالبين لها مشتغلين بها عاملين فيها لأنها من هذه الجهة عون على شكر الله عليها وعلى اتخاذها مركباً للآخرة وهم كانوا أزهد الناس فيها و أورع الناس في كسبها.

فتأمل هذ الفصل فإن فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظرين في الشريعة وفي أحوال أهلها وفيه رفع مغالط تعترض للسالكين لطريق الآخرة فيفهمون الزهد وترك الدنيا على غير وجهه كما يفهمون طلبها على غير وجهه فيمدحون ما لا يمدح و يذمون ما لا يذم شرعاً ).اه

فتشبيه الحياة الدنيا بالماء هو المعنى الرمزي المناسب للوجه الثاني من النظر إلى الدنيا كما بينه الإمام الشاطبي فيستقيم لنا ما نحاوله من ربط الجزئيات في المثل ليكون من ارتباطها و تناغمها المزيد من الفهم و المزيد من القدرة على الإرتقاء في معارج التدبر لأمثال القرآن الكريم.