الوسطية و الشهادة

الـــشـــهـــا د ة

” و كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيداً “

عندما يتأمل المرء ما تناقلته كتب التفسير حول معنى الأمة الوسط و معنى الشهادة على الناس في الآية الكريمة، لا يخطئ تأكيدهم على معنى التشريف و التكريم لأمة محمد صلى الله عليه و سلم على سائر الأمم و احتفالهم بشهادة الله للأمة بالخيرية و العدالة، على خلاف في بيان مضمون الوسطية التي استحقت المدح و الثناء – وهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد – و ذلك حسب الظروف التاريخية و ما واجهته الأمة من أنواع الغلو و التطرف، و سجالات التدافع الحضاري و الفكري و المذهبي لعصور المفسرين.

و تأكيد المفسرين على معنى التكريم و التشريف و تركهم إثبات التكليف المقابل للتشريف هو منطق لا ينسجم مع طريقة القرآن الكريم. فالتشريف – في القرآن – يستحقه من قام بأعباء التكليف. فالتكليف بتبليغ الرسالة و أداء الأمانة و قيام الحجة هو موضوع الشهادة التي يشهدها النبي الكريم على أمته. و لقد استحق النبي صلى الله عليه و سلم تكريم التشريف بمقام الشهادة بعد أن بلّغ الرسالة و نصح للأمة و قدّم النموذج الأسوة و القدوة. و قد بينت آيات كثيرة من القرآن الكريم أن قيام الحجة على المعاندين و قطع اعتذارهم و تبريرهم لما تورطوا فيه من المعاندة و التكذيب هي القضية التي يقوم الأشهاد ( و منهم أمة محمد ) لإثباتها يوم القيامة. و ليس ذلك لحاجة الله لما سيدلون به من معلومات – فهو سبحانه علام الغيوب – و لكن لزيادة التبكيت و التوبيخ بمواجهة المكذبين و المعاندين وجهاً لوجه بمن قام بمهمة البلاغ و أدى الأمانة من الأنبياء و الرسل و الدعاة.

فالشهيد هو الذي يقدم الشهادة لإثبات قضية. و الوسطية ( كما يقرر ابن عاشور رحمه الله ) هي علة استحقاق مقام الشهادة. فهي بهذا المعنى خصائص و مهارات و ملكات و مؤهلات يتحقق بها التكليف .

فالشهيد من الأفراد هو الذي قدّم نفسه مثالاً و نموذجاً لإثبات قضية قدرة ترفع الإنسان على دوافع حب البقاء لنصرة حق أو فضح باطل و لإقرار نموذج حياة لا يضحي بالقيم من أجل الحياة بل يضحي بالنفس لحماية القيم و المثل.

فإذا أردنا أن نفهم شهادة أمة محمد على الناس , فالمطلوب من المسلمين – لكي يستحقوا التشريف بمقام الشهادة على العالمين – أن لا يحصروا الشهادة بمعناها الأخروي، و أن يتحققوا من امتلاكهم مؤهلات الوسطية  فيقوموا بمهمات التكليف تبليغاً للرسالة و أداءً للأمانة و قياماً بالحجة على من عاصرهم , و ذلك بتقديم المجتمع النموذج لإثبات إمكانية تزكية الإنسان و دوافعه و تزكية المجتمع و مكوناته و تزكية الكون و عناصره من خلال كليات الوحي و هداية الرسالة الخاتمة، فهذا ما يمثل القضية التي يثبتونها بشهادتهم.

فبين الوسطية و مقام الشهادة تواصل و تداخل. فبمقام الشهادة يستوعب المسلمون و يتفهمون معاناة المجتمعات الإنسانية المعاصرة في توجهاتها الجامحة و ممارساتها التي تشقي الإنسان و تدمر روحه و تختزله في حاجاته المادية أو توجهات أنانياته القومية أو توجهات تدمير الأسرة و النسيج الإجتماعي أو غير ذلك من توجهات النشوز و الشذوذ. فيستلهم المسلمون من كمون تكوينهم الرباني و خصائص الرسالة الخاتمة ما يستطيعون به أن يقدموا النموذج الذي يستجيب للواقع الإنساني و يرد على شذوذاته، و يقدمون بذلك شهادة الإمكان التي تقيم الحجة و تؤدي شهادة البلاغ المبين.

أضف تعليق