حقوق المرأة، نظرة واقعية

حقوق المرأة

نظرة واقعية

في كل مرة يتناول الناس موضوع مشكلات الأسرة و خاصة العنف و التسلط على حقوق المرأة في كثير من مجتمعات المسلمين، يقف العلماء و الدعاة و الباحثين ليعلنوا بحق أن هذا الأمر المشين هو أمر غير مقبول و لا يمكن نسبته إلى الدين و الشريعة. و في هذا السياق يبين العلماء و الباحثون حقوق المرأة في القرآن و السنة و مجالات الحرية و الإستقلال التي أعطاها الإسلام للمرأة، و هو أمر لا بد من بيانه و توضيحه حتى لا يكون واقع الظلم التي تعاني منه بعض مجتمعات المسلمين فتنة للناس عن دينهم و أداة في يد دعاة التمييع الثقافي لنشر الفساد و إهلاك الحرث و النسل.

و من الأمور التي لا بد من بيانها و التعليق عليها في هذا المقام، أن بعض هؤلاء الباحثين و الدعاة في غمرة الحماس عند الحديث عن حقوق المرأة و واجباتها ينقلون عن الأئمة و الفقهاء بعض الفتاوى التي تقرر أنه ليس من واجبات المرأة و لا من مسؤولياتها في بيتها  طبخ و إعداد الطعام أو التنظيف أو إرضاع وليدها و أن من حقها أن يكون لها خادم و غير ذلك. و قد يكون هذا الكلام مفهوماً إذا قصد به إبعاد النظرة الإستخدامية للحـياة الزوجية و التي تختزل دور المرأة إلى الخدمة على وجه السخرة بعيداً عن مفهوم الشراكة في مناخ التعاون و التحبب المتبادل. و لكن تبقى المشكلة في هذا النقل أنه يسلخ الفتوى عن ظروفها و شروطها و يقدمها دون الإشارة إلى الكليات الحاكمة و القواعد التي تضع الأمور في نصابها لإقامة العدل الذي ترضاه الشريعة و ترسمه نصوصها و مقاصدها .

و نشير بداية إلى أن الفتاوى المنقولة عن الأئمة عند مراجعتها و تدقيق عباراتها لم تذكر  حقوق المرأة و واجباتها في البيت إلا في إطار الوسع و العرف. و لا شك أن هذا الإطار يؤمن مدخلاً شرعياً يمكن تعميمه بلا حرج. أما نقل الفتاوى مع إغفال شروطها و ظروفها و احترازاتها فهو قراءة إنتقائية  غير أمينة لا تزيد المرء علماً بدينه أو مقدرة على معالجة المشكلات .

إذا رجعنا إلى القرآن الكريم و جدنا أن قضية الحقوق و الواجبات في الأسرة تعرض من منطلق واقعي فطري ينسحب و يصدق على ظروف مختلفة عبر الزمان و المكان .

  • لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها .
  • لينفق ذو سعة من سعته .
  • أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم .
  • و عاشروهن بالمعروف .
  • إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
  • فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما و تشاور فلا جناح عليهما .
  • و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن اراد أن يتم الرضاعة .

فالآيات الكريمة تقرر مبادئ لتقرير الحقوق و الواجبات في الأسرة  تتلخص في المعروف و السعة و التراضي و التشاور . فالعرف المستقر في أية بيئة  يساعد كثيراً في تحديد الواجبات و الحقوق و تضييق شقة الخلاف بين الناس، و كذلك فإن مفهوم السعة يتوافق مع المنطق الشرعي الذي لا يكلف الناس فوق ما يستطيعون، و أما التراضي و التشاور فهما الوسيلة و الطريقة التي يتوصل بها الناس إلى الوضع المناسب و الملائم بما يحقق المصلحة في جو من التفاهم و التعاون .

فعند الحديث عن مشكلات الأسرة و طرق معالجتها لا بد من تقرير المبادئ القرآنية أولاً و لا بد كذلك من تدريب الناس – رجالاً و نساءً – على فهمها و تذوقها و التحاكم إليها.

و يبدو أن ما يدعى ” مشكلات الأسرة ” هو تعبير عن توتر و انزعاج و خيبة أمل ناتجة عن فرق بين التوقعات و الواقع أو بين الأحلام و الحقيقة . و من هنا فإن مساعدة الناس على تجاوز مشكلات الأسرة تكمن في مساعدتهم على :

  • وضع توقعاتهم للحياة الزوجية ضمن ما يقرره العرف و ما يتأصل به المعروف.
  • الوعي لخطورة الخضوع لثقافة الإستهلاك و الإقتناء و التفاخر و التكاثر .
  • فهم الإحتياجات المادية و الإقتصادية للأسرة و معرفة طرق و وسائل تغطيتـها  ضمن الإمكانيات المتوفرة و السعة في الرزق .
  • الإعتياد على استعمال التراضي و التشاور وسيلة للوصول إلى أي قرار يتعلق بالأسرة بعيداً عن الإنفراد أو التجاهل .

لقد عاشت كثير من المجتمعات الإنسانية حالة من السلام الإجتماعي و التوافق العائلي الذي يستمد ثباته و استقراره من أعراف و تقاليد وضعت حاجات الأسرة فوق اعتبار رغبات الأفراد. و جاء الإسلام فأقر نظام الأسرة و ألغى العادات التي يداخلها الحيف و الظلم و أسس الزواج على علاقات مضبوطة بإطار المسؤولية و السكن و المودة و الرحمة، و أدخل بعض التعديلات و الضوابط التي تتعلق ببيان أصناف القرابة التي لا يصح عقد الزواج فيما بينها، و تتعلق بتفصيلات العقود و الميراث بين الأزواج، و تتعلق ببعض تفصيلات الحضانة و الرضاع و الطلاق و النسب و غير ذلك.

و كان دور المرأة في الأسرة – عبر الثقافات و الحضارات –  أساسياً في تأمين كفايات الأسرة من الغذاء و اللباس. و كانت مساحة مسؤوليات المرأة في البيت تختلف حسب الحاجة و السعة في  الإمكانيات. و قد كان هذا المعنى واضحاً في آيات القرآن الكريم التي تحدثنا عن أسرة نبي الله شعيب حيث عملت بنتاه  في الرعي  و تأمين السقاية لقطيع من البهائم. و عند تلاوة آيات تلك القصة الطريفة لا يحس القارئ باستهجان أو لوم أو تثريب بل يجد القارئ الموافقة و الإقرار و الإستحسان لعملهما و مبادرتهما لأداء الواجب في رعاية حاجات الأسرة الكريمة  ” و أبونا شيخ كبير “.

و  في سنة النبي صلى الله عليه و سلم – في الحديث الذي يرويه البخاري –  كانت سيدة نساء أهل الجنة ” فاطمة ” رضي الله عنها تتـقرح يداها من الطحن فلما أشفق عليها زوجها علي و سألها أن تطلب من أبيها أن يعينها بخادم من السبي، علـّمها النبي صلى الله عليه و سلم دعاءً و أذكاراً تخفف عنها بعض التعب و لم يخصّـها بخادم. لقد كان هدي النبي مع ابنته تعليماً للمرأة المؤمنة الصالحة أن تؤدي واجبها في القيام بنصيبها من أعباء البيت صابرة محتسبة، و كان تصرف سيدنا علي كرم الله وجهه هو مثال الزوج الشفيق الذي لا يترك فرصة لمساعدة زوجته و تخفيف معاناتها إلا بادر إليها .

وفي ضوء هذا الفهم لهدي القرآن الكريم و سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قضية مسؤوليات المرأة في البيت نرى أن الإستشهاد ببعض الفتاوى المنقولة عن الأئمة هو نقل تنقصه الدقة و الأمانة العلمية التي تتطلب نقل ظروف الفتوى و العرف الذي استندت إليه و الذي لا ينطبق عند التحقيق و التدقيق على واقع المجتمعات الإنسانية في أغلب حالاتها و أوضاعها التي يغلب عليها المعاناة و الكدح من جميع أفراد العائلة لتغطية نفقات و أعباء الأسرة و التي قلما ترتفع عن حد الكفاف.

وفي الظروف التي تدفع بها ثقافة الإستهلاك و التكاثرو التفاخر و أولوية الزينة و المظاهر، و في جو الإستقطاب و التنافر الذي تجود به طروحات الحركة النسوية التي تجعل – الذات الأنثوية – أعلى مرتبة في سلم الأولويات من الأسرة و العائلة، تأتي النقول الإستعراضية لبعض الفتاوى التاريخية لتزيد الأمر سوءاً و تصب الزيت على النار و تؤصل ثقافة النشوز و مركزية – الأنا –  ليحل التشاحن و التوتر محل المودة و الرحمة و السكينة. و في النهاية تكون النتيجة هي انهيار البيت و عيش الفصام و النكد و مخالفة الفطرة.

فإذا كان الواجب يقضي بإنصاف المرأة مما يقع عليها من ظلم في بعض المجتمعات، فإن من غير المقبول أن نقع في مبالغات ردود الفعل فنسعى إلى ما قد يؤدي إلى  تدمير ثقافة أسرية تكافلية تعاونية أثبتت صلاحيتها عبر القرون و في مختلف الثقافات.

و لابد من الحذر كذلك من المنطق الذي يساوي بين المطلوب شرعاً و بين المفروض قانوناً بالمعنى المعاصر. فالمطلوب شرعاً يرتبط في قلب المؤمن بجملة من المشاعر الطيبة و شعور المسؤولية أمام الله و الإقتداء بسنة النبي الكريم، بينما يرتبط ما يفرض بقوة القانون بإكراه السلطة و المبارزات السياسية على منصات الإنتخاب.

إن فهم الحقوق و الواجبات في الإسلام عبر بعض الفتاوى الإستعراضية السمجة التي تهمل السياق و ظروف الفتوى، هو فتنة عن دين الله تقدم الإسلام ديناً ارستقراطياً لا يصلح إلا لمن يملك الخدم و الحشم، و تصور المرأة في تلك المجتمعات الأرستقراطية أكثر تديناً و رفعة ممن يكابدن العمل و الإكتساب لتأمين الكفاف .

إنها الفتنة التي تفتح الباب لكل دعوات النشوز و دعوات استبدال نمط الإسلام  الفطري و نموذجه الحضاري بالمضطرب المتأرجح من دعوات الجاهلية.

فإذا كان كدح الرجل في ساعات العمل الطويلة في النهار و في ظروف العمل المتوفرة تؤمن للأسرة الحد الأدنى من كفايات المسكن و الطعام واللباس و الخدمات، فإن عمل المرأة في البيت يضاعف من المردود الإقتصادي للدخل و يرتقي بمستوى المعيشة و مستوى تحقيق الكرامة و الرضا و يشيع في البيت جو الحميمية العائلية و التكافل و التراحم.

وإذا تركنا جانباً قضية الجودة والمتعة الخاصة و الأداء المتميز لما نصنعه لأنفسنا في البيت، فإن استعراضاً سريعاً لما يجب انفاقه لتغطية تكاليف بعض الخدمات الأسرية إذا قررت الأسرة أن تستغني عن العمل في البيت اعتماداً على ما يتوفر في السوق من خدمات، يظهر مقدار الدخل الإضافي المطلوب و الذي يستهلك في كثير من الأحيان ما قد تكسبه المرأة إذا قررت العمل خارج البيت. هذا بالإضافة إلى ما يضيفه عملها من شعور بالإرهاق و الإكتئاب و حرمان للأطفال من وجودها و رعايتها في أعمارهم المبكرة و في ساعات مخصوصة من اليوم و خاصة بعد العودة من الدراسة. إن شعور الأمن الذي يشيعه وجود الأم في البيت لا يقدر بثمن و خاصة للفتيان و الفتيات في سن المراهقة .

إن ما تحتاجه الأسرة من خدمات يجب أن ينظر إليه في إطار المشاركة الراضية و التعاون الذي يزيد المودّة و يشيع جو الحميمية العائلية و الحب و الإحترام. أما النظرة البدوية الجافية التي تنظر إلى عمل البيت بعين الإزدراء و الترفع أو الإستحقاق فهي مجافية لأخلاق النبوة و سمت التواضع، و قد تكون المسؤولة عن ثقافة النشوز و جو التذمر من العمل في البيت – و خاصة عند الفتيات – و محاولتهن العمل خارج البيت دون تمحيص للمردود المادي و انعكاسات الغياب عن البيت.

و كحد أدنى ,  يجب أن يعتاد كل فرد في الأسرة – و الشباب بشكل خاص –  أن يقوم بما يخصه من خدمات و حاجات و أن لا يتصرف و كأنه سيد مستحق منتظر لمن يخدمه، و بعد ذلك لا بد من تشجيع المساهمة و المشاركة و التعاون في كل ما يتطلب المعونة من نشاطات الأسرة و حاجاتها.

إن إشاعة ثقافة رضى الوالدين و برهما و الحرص على ما يسرهما إذا وظفت في خدمة الأسرة بمجموعها و قضاء حاجاتها، يعود على الأسرة بجو من التراحم و التكافل و التنافس على الخير  تزول معه – أو تكاد – مشاعر التبرم و الضيق بعمل البيت و رعاية شؤون الأسرة.

و يبقى السؤال الذي يمثل التحدي الأكبر هو كيف يتحقق التوازن بين جو عائلي تسوده ثقافة التراحم و التعاون في ظل عطاء و أريحية و إيثار الأمومة الراحمة، و بين تحقيق النمو العلمي و العملي للمرأة بما يكفل متابعتها لما يكفل نمو شخصيتها و مشاركتها و مساهمتها الجدية بتغطية متطلبات فروض الكفاية لمجتمعها و أمتها، و بما يكفل كذلك  تأمين استمرار التأهيل الذي يكفل إمكانية العمل عندما يكبر الأولاد و يتوفر مزيد من الوقت لإستثماره بالعمل و الكسب .

أضف تعليق