الإجتهاد المقاصدي و علاقته بالتجديد

الإجتهاد المقاصدي و علاقته بالتجديد

يتردد الحديث عن مقاصد الشريعة كثيراً، ففي كل بحث لمعالجة مشكلة من المشكلات أو في كل حديث عن الشريعة يبرز موضوع المقاصد كمنهجية ضرورية للخروج من أي أزمة و للتعامل مع النص الثابت الخالد للتفاعل مع المتغيرات و المتجدد في حياة الأمة.


و سأستعرض ما نعني بالإجتهاد المقاصدي مستفيدين مما أصَّله الشيخ الشاطبي و ما كمله بعده ابن عاشور. فالإجتهاد المقاصدي يدور حول فكرة أساسية و هي أن هذه الشريعة خالدة و أنها الشريعة الخاتمة، فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه و سلم فلزم من ذلك ضرورة أن تكون المعاني التي تعتبرها الشريعة في التشريع هي معانٍ عامة معقولة تشترك فيها أجيال الأمم و الشعوب في أطراف الأرض – كما يقرر ذلك الإمام ابن عاشور – فالأمم و الشعوب لا تشترك إلا في المعاني المعقولة المفهومة، أما الأعراف و الخصوصيات فليس فيها اشتراك فلا تبنى عليها أحكام عامة، و لا يبنى عليها إلا اعتبارات خاصة عند تنـزيل الأحكام في واقع تلك الأمم.
فالشريعة معقولة و أحكامها معقولة المعنى و المفروض – حتى لا تتحول الشريعة إلى قوالب و شكليات – أن نكتشف المعاني التي يلاحظها الشرع و يريد منا أن نؤصلها في حياتنا و ذلك من خلال دراسة شاملة للنصوص الواردة في الموضوع الذي ندرسه، ومن خلال استحضارشامل لخصائص الشريعة و مقاصدها العامة، و بعد ذلك نحاول تنـزيل المعاني و القيم في الواقع الذي عرفناه بمداخله و تفاصيله و ملابساته و ذلك بعقلية مبتكرة مبدعة تمتلك البصيرة لمعرفة مناسبة الوسائل و مدى تحقيقها للمعاني و القيم في الواقع.
و هنا لا بد من التنبيه إلى أن المعاني المعقولة التي نتحراها في الشريعة هي المعاني التي لا تتعلق بالعقائد و العبادات، فكل ما جاء من أن الدين ليس بالرأي و أنه ليس في الدين إلا الإتباع و البعد عن الإبتداع هو صحيح مَسلَّـم إذا تعلق بالعقائد و العبادات فهناك لا قياس و لا زيادة، و هذه الأمور هي التي أطلق عليها الفقهاء اسم الأمور التعبدية بمعنى الوقوف في شأنها عند ما ورد عن الشرع. أما وصف الأمور التعبدية بأنها غير معقولة المعنى فلا أحسب أن هذا الوصف دقيق أو معبر عما أرادوه، فليس في الشريعة شيء غير معقول المعنى، فالمعنى الإجمالي للعبادات و المتمثل بالخضوع لله عزّ و جـلّ هو معنى معقول أفاض في شرحه و بيان متعلقاته الأئمة و العلماء. و كتب التربية و الزهد و الرقائق طافحة بالمعاني التربوية و مفصِّله لما يجب على المتعبد أن يستحضر من المعاني عند القيام بعبادة من العبادات. و لعل ما أرادوه بقولهم عن العبادات أنها غير معقولة المعنى أن الأمور العبادية لا تصلح للقياس و التعليل لتعدية الأحكام فليس فيها إلا المناسبة التي لا تطـَّرِد، فالطهارات و عدد الركعات و هيئة الصلوات و أوقات الصوم و الصلاة و مناسك الحج ليس فيها ما يقاس عليه و هي بهذا تعبدية خارجة عن امكانية إعمال العقل في تعديتها و الإنتقال بها من مجالها.
فإذا انتقلنا إلى المعاملات و العادات و الأمور العملية التي وضعت في الشريعة لضبط حياة الناس بعيداً عن الظلم و العدوان، و جدنا أمر المعاني مطـَّرداً بيناً، و إذا حدث أن المعنى الحاكم لتصرف من التصرفات أو حكم من الأحكام قد غاب عن الناس فليس لأحد أن يتألى على الله و يدعي أن المعنى في هذا الأمر سيغيب عن كل الأمم في كل الأجيال إلى قيام الساعة، فالمعنى موجود و على الناس أن يبحثوا عنه و يستنبطوه ثم بعد ذلك ينزلوه في حياتهم بما يحقق المعنى و يؤصله.
فالإجتهاد المقاصدي ليس أكثر من محاولة تحرير المعنى المعقول و الربط بينه و بين تزكية الحياة و تأصيل الرحمة و ذلك بتخليصه مما ران عليه من رواسب الأعراف التي أخرجته إلى شكليات و قوالب. و التجديد هو محاولة تنـزيل المعنى المعقول في الواقع بابتكار وسيلة جديدة مناسبة و دفع المعنى إلى أفق جديد. ولن يتأتى شيء من هذا ما لم نجزم أن الشريعة و التكاليف الشرعية معقولة المعنى حيث ينصب الجهد على اكتشاف المعنى و ضبطه و تحريره .
و الذين كتبوا في موضوع المقاصد و الإجتهاد المقاصدي من المعاصرين، غلب على ما كتبوه الطرح التاريخي بمعنى أن ما كتبوه يندرج تحت باب بيان تاريخ التشريع. فهم يقررون أن الأئمة و العلماء و الفقهاء اعتمدوا منهجية المقاصد و أن كل ما قالوه من فتاوى يعتمد المقاصد. و لكنهم بعد الجولات التاريخية الطويلة مع الأئمة الأعلام و قصتهم مع المقاصد و المعاني تجدهم يتحرجون من أن يأتوا بمثال جديد، و يغلب عليهم سوء الظن و التخوف الشديد أن يكون المعنى العملي لمنهجية المقاصد هو تغطية للآراء الفردية و الذاتية أو دواعي الهوى و الشهوة التي لا تنضبط بالشرع، و تجد هذا التخوف مبثوث إلى درجة كبيرة بحيث تتردد كلمة ضوابط مرات كثيرة في الصفحة الواحدة .
و الذي يريحنا من سوء الظن والمبالغة في التخوف من الزلل في استنتاج المقاصد، أن المقاصد أو المعاني التي نتحراها نأتي بها من النصوص و المحاورة معها و مع كل ما ورد في الموضوع من اجتهادات و نـُقول و نحَـكِّم في شأنها كليات الشرع. و نستطيع أن نفهم هذا التوجه من الحديث الذي روي عن عائشة رضي الله عنها عندما قيل لها أن عمر بن الخطاب يروي عن النبي صلى الله عليه و سلم: “يعذب الميت ببكاء أهله عليه” فأنكرت و قالت : أين تذهبون بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فما فعلته عائشة رضي الله عنها أنها حـكـَّمت كليات القرآن في رواية عمر، فليس في الأمر شك في ضبط عمر و عدالته و لكن تحكيم الكليات و عمومات الشريعة عند سماع أي قول هو الأصل الذي يجب أن نرجع إليه. و قد اجتهد العلماء الذين رووا حديث عمر في استنباط الإحتمالات التي تسوغ الرواية و تصرفها عن مصادمتها للحقيقة القرآنية و ذلك باعتبار سياق الحديث و ذلك بالضبط هو ما فعلته السيدة عائشة في تصحيحها لرواية عمر.
فضبط الروايات – مهما كان وزنها – بعمومات الشريعة أمريعصم من الخطأ لأننا نجمع كل النصوص الواردة في الموضوع الواحد و نستحضر ما أمكن سياقها و ظروفها، ثم نعمل التفكير و التمحيص لإستخراج المعاني المعقولة التي تضم كل النصوص بخيط واحد و روح واحدة.
و منهجية الإجتهاد المقاصدي – من ناحية أخرى – هي منهجية وظيفية، و ذلك أن المعاني التي نطلبها ليست أموراً مجردةً أو نظرية، فالشرع لم يأت بأي نص أو تقرير لحكم إلا لوظيفة عملية في كيان الأمة، و لدور في استقامة العقل و الجوارح لتزكية الحياة و جعلها طيبة مباركة لا ضنك فيها و لا عسر و لا مشقة كما أرادها القرآن.
فعند الربط بين النصوص و مقاصدها العملية الوظيفية في واقع الأمة، يمكن الرجوع إلى ما ورد عن السلف و كيف فهموا و طبقوا هذه المعاني في حياتهم ليكون عندنا الدليل الآخر على عموم الرسالة و خلودها و أن المعاني الشرعية التي أناط الشارع الأحكام بها هي معانٍ عامة تتجاوز خصوصيات الزمان و المكان.
و من ناحية أخرى فإن العصر الذي نعيش فيه هو عصر انهارت فيه كل السدود و الحدود و لم يعد بالإمكان أن نحجر على الناس في ما يسمعون أو يقرأون، فلا بد من تزويد الأمة بمعيار و ميزان للتعامل مع ما تسمع و ما تقرأ و ذلك بإشاعة ثقافة المقاصد العملية التي تربط الأحكام بوظيفتها و دورها في ترقية النفس و تزكية الحياة.
و سأستعرض فيما يلي بعض الأمثلة في الإجتهاد المقاصدي لعلها تشرح بعض آفاق و كمون مفهوم المقاصد .
* * *
دارت كثير من المناقشات – في كتب السياسة الشرعية و كتب الفقه و الدراسات الفكرية الحديثة – حول مفهوم الشورى في الإسلام و هل هي ملزمة للأمير أم أنها مُعلـِمة. و احتجَّ كل فريق لما ذهب إليه بنصوص و نـُقول، فحاولت أن أتوصل إلى حقيقة مفهوم الشورى بأن جمعت كل النصوص الواردة في الشورى و التشاور في آيات القرآن الكريم و كتب الحديث و ما قيل في الآيات و ما قيل في الأحاديث.
و عندما جمعت ذلك لفت نظري أن أغلب ما يتردد في كتب السياسة الشرعية و كتب الفقه في موضوع الشورى المعْلِمة هو نقل عن الإمام البخاري في مقدمة كتاب الإعتصام بالكتاب و السنة من صحيح البخاري إذ يذكر أن الخليفة الأول أبا بكر رضي الله عنه عندما استبان له الحق في قضية المرتدين لم يلتفت إلى مشورة أحد. فالذين تحدثوا عن الشورى و قرروا بأنها للإعلام و أنها لا تلزم الأمير بشيء، أخذوا كلام الإمام البخاري في سياق حديثه عن الإعتصام بالكتاب و السنة و وضعوه في غير موضعه، و أهملوا الظرف التاريخي المتفرد في تاريخ الإسلام و المسلمين الذي حمل الخليفة الأول على أن يقول ما يقول، و أهملوا كذلك الفرق النوعي الهائل بين شخصية أبي بكر المشهود له برجحان إيمانه على إيمان الأمة. و مع كل الشناعة التي يمثلها إهمال تلك الفروق المهمة أهمل القائلون بهذا الرأي العشرات من النصوص التي تبيّن أنه ما كان أحد أكثر مشورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه و سلم. و ذلك في كل القضايا في الحرب و السلم و القضايا الإجتماعية و الدينية أيضاً، فقصة مشورة أم سلمة رضي الله عنها يوم صلح الحديبية للنبي صلى الله عليه و سلم و ما أشارت عليه أن يفعل حتى تنتهي الأزمة التي وقع فيها المسلمون قصة مشهورة، فقد أشارت عليه في أمر من المفروض أنه هو المرجع فيه صلى الله عليه و سلم.
فعند دراسة النصوص الواردة جميعاً و و ضعها في سياقها و محاولة اكتشاف المعنى الجامع الذي يربطها وجدت أن المعاني التي تنتظم النصوص الواردة في الشورى و التشاور تتلخص في ثلاث معان :
– استفراغ الجهد في معرفة الصواب و الأصلح.
– تأمين صيغة للحصول على التأييد و الرضا و الموافقة من أكبر عدد من الناس و تجمعاتهم وانتماءاتهم.
– تدريب الأمة على الإهتمام بالأمور العامة و التفكير فيها و استشعار المسؤولية عنها.
و من الواضح أن هذه المعاني و المقاصد التي استطعنا استنباطها من مجمل النصوص لم تنطلق من هوى أو نزوة أو شهوة أو رغبة في تقليد، و إنما هي معانٍ مستخرجة من النصوص و وقائع من حياة النبي الكريم. فإذا جاء من يقول “شاوروهنّ و خالفوهنّ” (وهو إرث جاهلي وليس بحديث) امتلكنا المعيار الذي يمكننا أن نقول كما قالت السيدة عائشة: أين تذهبون بقوله تعالى ﴿عن تراضٍ منهما و تشاور﴾ و التي نزلت في قضية اجتماعية تتعلق بالرضاع و الحضانة. و بهذا نقدم الفهم الذي لا يعطي للإستبداد الغطاء الشرعي بالفهم المجتزأ أو النصوص المنتزعة من سياقها و ظروفها. فإذا أحسنا فهم و تنـزيل هذه المعاني كمعيار للحكم على التوجهات الإجتماعية و لإقتراح آليات و وسائل التطبيق فعندها يكون للشورى بمعناها الشرعي وجود و إلا فهو التمويه و التزوير.
* * *
و المثال الآخر و الذي اكتوى الكثير من أتباع الجماعات الإسلامية بناره هو ضياع المعيار الشرعي لمعنى لزوم الجماعة. فقد مضى حين من الدهر و كلمة لزوم الجماعة تمثل سيفاً مسلطاً على رقاب الأتباع “فمن شذّ شذّ في النار”، “و من لم يبايع و لم يكن له جماعة و لا إمام مات ميتة جاهلية”. فأمثال هذه النصوص يصادرها أرباب الجماعات و الفئات إلى مصلحتهم لتدعيم ولاء الأتباع لتلك الجماعة أو الفئة. فما هي حقيقة معنى لزوم الجماعة؟ و إلى أي مدى تمثل أفهام الحاملين لهذا الشعار فهماً أصيلاً متوازناً ؟
للإجابة على هذا السؤال نستعمل منهجية الإجتهاد المقاصدي فنجمع كل النصوص الواردة في الموضوع و نحن نعلم أنها بمجموعها لا تخرج عن معنىً معقول يضبطها و يجمعها في نسق واحد و يجعلنا نمتلك المعيار و الميزان لتقييم ما يدعية أرباب الجماعات من مرجعية و التزام بالنصوص.
و عند جمع كل الأحاديث الواردة في الموضوع في صعيد واحد مع كل ما قيل في شرحها، نجد أن الجماعة في الأحاديث النبوية لها ثلاث معانٍ، فلا تتحدث الروايات عن معنىً واحد و إنما هي معان متكاملة مترابطة، و عندها نستطيع أن نقول لمن يجادل بآحاد النصوص ليؤكد على فهم مجتزأ، كما قالت السيدة عائشة ” أين تذهبون بقوله تعالى ﴿و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا﴾.
فالمعاني التي يمكن استخلاصها من أحاديث الجماعة هي ثلاث معان :
– الجماعة تطلق على الأمير ذي السلطان و من كان في بيعته من المسلمين.
– الجماعة هي موقف فكري مطابق للحق و ما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه.
– الجماعة هي دعوة للعمل الجماعي و التعاون على البر و التقوى و نبذ الفردية.
فإذا كانت هذه هي المعاني التي تتجاذبها النصوص فما هو الرابط بينها ؟
فالمعنى الأول هو هدف عملي لمن لا يعيش واقع الوحدة و التكافل و التعاون، يجب أن تنصب عليه جهود المسلمين للوصول إلى التمكين في الأرض . فالتمكين في الأرض هو هدف نتحرى وسائله و مقدماته في كل لحظة تاريخية نعيشها لنكون مساهمين في عملية تأهيل الأمة للتمكين. فهذا المعنى للجماعة حدد الهدف و حدد التوجه في البناء و اكتساب المهرات و الخبرات. و أما المعنى الثاني فيمثل العدة الفكرية و التصور الإيماني الذي ننطلق منه و الذي يجب أن يكون مطابقاً للحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه و سلم، و ما كان عليه هو و أصحابه فلا نشـذّ و لا نبتدع. و أما المعنى الثالث فقد أصـّل التوجه الجماعي في الحركة و البناء، فلا يمكن أن نصل إلى التمكين أو معرفة الحق إلا بشكل جماعي و تعاون على الخير و نبذ للفردية.
فعندما نفهم مصطلح الجماعة ضمن هذه الآفاق و بهذا التأصيل المقاصدي نمتلك الدليل للتعامل مع طروحات الجماعات الإسلامية و تنظيماتها من مفهوم مقاصدي. فقد يكون ما يروونه صحيحاً عند النظر إلى الإسناد و الرواية و لكنه في أحسن أحواله لا يعدو أن يكون معنىً مجتزأ لا يمكن أن نقف عنده و نعتبره نهاية المطاف. فلا بد من اعتبار جميع المعاني في سياقها و إطارها لتكون دليل العمل في كل ظرف و في كل وقت.
* * *
المثال الثالث الذي يتطلب مواجهة صريحة مع مرضٍ يتعلق بقضية عملية بحتة هو إنفصام العلاقة بين المفهوم الشرعي للطهارة و بين معنى النظافة . و الناس في هذا الأمر في حرج بين مبالغات و غلو في معنى الطهارة الشرعية و الذي يصل إلى حد الوسوسة و بين إهمال لمعنى النظافة و خاصة في المستوى الجماعي بحيث لو قارنا بين المسلمين و غيرهم في مجتمع من المجتمعات فلن يكون المسلمون هم الأنظف .
و قد عالج الإمام الغزالي في الإحياء موضوع الوسوسة و المبالغة و الغلو في معنى الطهارة الشرعية و جاء بما يرد الناس عن التكلف و العنت في هذه المسألة و أوضح المعيار الشرعي فيما يجب من الطهارة. و لكن الأمر الآخر و هو إنفصام الطهارة عن النظافة فما زال بحاجة إلى بعض المعالجة و خاصة و أن موضوع النظافة قد اختزل ليعني الطهارة – في حدها الأدنى – من المستقذرات على المستوى الشخصي فقط. فلا بد من دراسة هذا الموضوع فقد أصبحت الطهارة أمراً غير معقول المعنى و أصبح من الممكن أن نطلق وصف الطهارة الشرعية على أشياء فيها من القذارة و عدم اللياقة و المناسبة للبيئة ما يتعارض مع مفهوم الكرامة الإنسانية التي قررها القرآن . فالطهور شطر الإيمان و لكن الممارسة العملية لهذا التوجيه النبوي لا تدل على هذه الأهمية العالية للطهارة في واقع البيئة و مجتمعات المسلمين. يروي الإمام البخاري قول النبي صلى الله عليه و سلم “إن الله جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة فنظفوا أفنيتكم و لا تشبّهوا باليهود”. و لكن الناظر في حال الأمة لا يرى أثر هذا الأمر في الفضاء الإجتماعي رغم خطورته في التميز عن ممارسات غير المسلمين في عهد النبوة.
إنه لا بد من طرح هذا الموضوع و مراجعة كيفية تعليم الناس لمفهوم الطهارة الشرعية بما يكفل إعادة الإرتباط بين الطهارة و النظافة و إعادة الثقة للمسلم أنه يمتلك مشروعاً حضارياً يزكي الحياة و يكرم الإنسان معنوياً و مادياً على حد سواء. و قد حملني التفكير في هذا الأمر على اقتراح صياغة قاعدة تربط بين النظافة و الطهارة فقلت : النظيف عرفاً طاهر شرعاً . فمما يرجح ارتباط معنى الطهارة بالعرف ما قرره الإمام القرافي في ” الفروق ” من أنه ليس هناك من علة للطهارة و لكن هناك علة للنجاسة و هي الإستقذار. فهذه القاعدة تصلح لمعالجة الغلو و التكلف في أمر الطهارة و التطهير و تعالج المشكلة الأخرى من الفصل بين النظافة و الطهارة في الفضاء العام. فلا بد من دوام التفكير لإعادة مفهوم الطهارة إلى مقاصده بما يؤصل أعراف النظافة و يحقق تزكية الحياة و ترقية الأمة.
* * *
و المثال الرابع: تحتفل كتب السير و التاريخ و تلهج بذكر أنساب العرب و قبائلهم، و نجد في كتب السيرة عبارات مثل النسب الشريف و الأصلاب الطاهرة و الشرف و السؤدد، و تذكر كتب التراجم أن من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان عالماً بالأنساب. و هنا يرد السؤال: لماذا كان العلم بالأنساب فضيلة ؟ و لماذا هذا الإحتفال بالأنساب و ذكر القبائل و العشائر و البطون ؟ إذا كان الإسلام قد حدد معيار الكرامة في الدنيا و الآخرة بالتقوى و العمل الصالح ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ و “من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه”، فما معنى الإهتمام بالأنساب و خاصة أن ألقاب الشرف لا تستعمل اليوم إلا بالمعنى الجاهلي حيث توزع على البيوتات و العوائل ألقاب الشرف و العز و الكرامة مع قطع الصلة بين الشرف و المكانة المدعاة و بين ما يقدم هؤلاء للمجتمع و الأمة؟
عند استعراض الآيات الكريمة التي تحدثت عن الإصطفاء و الإختيار نجد أن الإصطفاء و التشريف مرتبط بالتكليف. و قد ذكرت آيات القرآن الكريم صبر الأنبياء و جهادهم و دأبهم و حرصهم على هداية أقوامهم و أنهم نالوا التشريف و الكرامة بسبب نجاحهم في الصبر على مهمات التكليف. و بهذا يتحقق معنى العدل و يتحقق التوازن بعيداً عن معنى العنجهية الجاهلية. فإذا جئنا إلى النسب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم أو ما يلهج به المؤرخون من ذكر أنساب العرب و ما يذكره الفقهاء في هذا الموضوع كان من الواجب أن لا تختل هذه المعادلة القرآنية.
عندما نمتلك هذا المعيار القرآني و ننظر إلى ما ورد عن سلف الأمة من احتفال بالنسب عند العرب نجد أن النسب الذي احتفل به السلف الكرام ليس له علاقة – في أصل معناه – بالمعنى الجاهلي الذي تسرب إلينا. لقد كان للنسب و لُـحْمة القبيلة وظيفة اجتماعية في الحماية و النصرة و التكافل وكان للنسب أيضاً معنى الإستعلاء و الإستكثار و الإفتخار الذي يحمل على الظلم و التكبر. و عندما جاء الإسلام أبطل المعنى الجاهلي للنسب و الإفتخار بالآباء و إدعاء الفضل و التميز بسبب القرابة، و أبقى الوظيفة الإجتماعية للنسب في الحماية و التكافل و التي برزت واضحة في ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عندما قرر نظريته عن العصبية و قال تعليقاً على الحديث الشريف “ما أرسل الله من نبي إلا في منعة من قومه”: فإذا كان الأنبياء و هم أولى الناس بخرق العوائد لم تخرق لهم هذه العادة – السنة – و ما أرسلهم الله إلا في بيئة تحميهم في أنفسهم حتى يستطيعون تبليغ الرسالة، فالأحرى بآحاد الناس الذين يحاولون الملك أو الإصلاح أن يعرفوا أنه لا يمكن الإصلاح إلا بالمنعة.
فمصطلح “المنعة” كما استعمله ابن خلدون, هو الذي يفتح باب الفهم لوظيفة النسب في المجتمع العربي و صار واضحاً بهذا أن علم أبي بكر الصديق بالأنساب هو من الفضائل لأن هذا العلم هو الذي يبصره بمواطن القوة في المجتمع العربي فيتحرك و يوظف إمكانيات الناس لإستخراج أكبر قدر من الخير عندهم لتوظيفه لمصالح الأمة. فهذه إمكانية قيادية هائلة لا يستطيعها إلا عالم بالأنساب .
فعلماء الأمة الذين احتفلوا بالأنساب لم يفعلوا ذلك لمعنى جاهلي و إنما احتفلوا للمعنى الوظيفي الذي أصـَّله الإسلام و اعترف به و بنى عليه الفقهاء كثيراً من الأحكام مثل الإرث و الدية و القسامة التي تمثل معاني التكافل و التعاون.
و عندما نطرح قضية الأنساب بهذه الصورة نجد أن هناك فرصة لدفع الموضوع إلى أفق آخر و الذي يتمثل في وضع مفهوم المنعة في سياقه التاريخي و وظيفته الإجتماعية. فالمنعة و الحماية التي كانت ممكنة لقرابة النسب قد لا تعني شيئاً في بيئات و ثقافات أخرى و من هنا وجب على الدعاة و من يطلبون التغيير، أن يتعرفوا على القوى و المؤثرات و تركيبة النفوذ في المجتمع الذي يعيشون فيه – و التي توازي فعل النسب في البيئة القبلية العشائرية – و يعرفون بعد ذلك كيف يتعاملون معها و ينتسبون إليها لتأمين الحرية و حق التعبير و حق الوجود بعيداً عن القهر و العدوان. فإذا طلبنا التغيير أو الحماية في مجتمع لا نعرفه و لانعرف مفاتيح تحريكه و تفعيل القوى البشرية فيه فلن نرجع بشيء لأننا لا نعرف من أين نبدأ.
فهذه النظرة إلى المنعة هي رؤية مقاصدية لمفهوم النسب في البيئة القبلية العربية في عهد النبوة، و يتولى الذين يدرسون العلوم الإجتماعية و السياسية دراسة تنـزيل مفهوم المنعة في البيئات الأخرى و الثقافات الأخرى لتأمين الحماية و حرية الدعوة و حرية التدين بعيداً عن الفتنة، من خلال عناصر الإنتماء في البيئة برؤية مقاصدية تجديدية لما ورد في التراث.
و مرة أخرى نلاحظ في هذا المثال أن المعاني التي وجهت فهمنا للتراث في قضية النسب انطلقت من معقولية الشريعة و انضبطت بكليات القرآن و السنة وليس فيما أثبتناه عن مفهوم المنعة هوى أو شهوة أو استيراد بل هو حسن الظن بسلف الأمة أن يتورطوا بالعصبية الجاهلية و الإفتخار بالآباء و الأجداد.
* * *
المثال الخامس: عند التوجه للناس و طلب المساهمة في رفع حاجة المحتاجين و المتضررين عند وقوع الكوارث و المجاعات، نجد الكثير من الأعذار لتبرير الشح بالخير و على رأس هذه الأعذار التوهم أن الزكاة الواجبة المقدرة قد دفعت و – أن ما دفعت زكاته فليس بكنـز – فإذا نظرنا إلى ما يدفع هؤلاء من الزكاة و يدلون بها على الخلق لم نجد إلا الفتات .
و كنت أستغرب أن الذين يُفتون في موضوع الزكاة على المنابر و في المساجد يقررون أن الزكاة لا تجب إلا فيما حال عليه الحول فيما ادخر الإنسان مما زاد عن نفقته و نفقة عياله دون تحديد لمعيار لهذه النفقة، و كنت أتساءل : هل يمكن للمرء أن يصرف مما آتاه الله في الضروريات و الحاجيات و الكماليات و السفاهيات ثم يكون ما فرضه الله عليه من مواساة للفقراء و المحتاجين هو ما استطاع ادخاره بعد ذلك كله و حال عليه الحول ؟ فهل هذا هو معنى التكافل ؟ و هل يتحقق التكافل بمثل هذا الفهم ؟ و الواقع يشهد أن المؤسسات الخيرية تعاني و مؤسسات الإغاثة تعاني و المؤسسات الدينية تعاني و يصل القائمون على هذه المؤسسات إلى درجة الإلحاف في الطلب لتغطية ما يقومون عليه من ثغرات .
دفعني هذا الحال إلى البحث في موضوع النصاب و علاقته بالزكاة الواجبة لتحقيق مقصد الزكاة في المواساة و التكافل و القيام بالكفايات من المصالح الدينية و الدنيوية الضرورية. و قد وجدت في ما كتب الدكتور يوسف القرضاوي في موسوعة فقه الزكاة، حيث جمع فيها نقولاً كثيرة عن معنى النصاب ما أعفانا من مزيد البحث في هذا الموضوع، و قد نقل عن العلماء ما نتيجته أن النصاب هو نفقة أدنى بيت من المسلمين سنةً، كما يقرر الإمام حجة الله الدهلوي في كتابه ” حجة الله البالغة “.
و عند الإمعان في هذا التعريف نجد أنه يحمل كموناً جيداً لتفعيل فريضة الزكاة و إرجاعها إلى وظيفتها . فما يكفي أدنى بيت من المسلمين هو المعيار، فمن كان دخله السنوي أقل من ذلك فهو فقير يستحق المساعدة، و من زاد دخله السنوي عن هذا النصاب واسى الفقراء و المساكين بجزء مما زاد على النصاب . فإذا تغيرت طرق الكسب و الإرتزاق يبقى المعيار منضبطاً و خاصة إذا استفدنا من تعريف النصاب عند الدكتور محمود أبو السعود – رحمه الله – بأنه قيمة الخدمات و الطيبات التي تكفي أدنى بيت من المسلمين سنة. و هذه الخدمات و الطيبات و التي تُسمى “السلة الإستهلاكية” و في هذه السلة الغذاء و اللباس و المسكن و المركب و الدواء و الحاجات الأساسية الأخرى و التي تختلف من مجتمع إلى آخر حسب حالته. و على هذا لم يعد مستغرباً أن تتغير قيمة النصاب من بلد إلى بلد و من زمان إلى آخر إذ لا يمكن جعل النصاب معنى تعبدي لا علاقة له بواقع الناس و طريقة حياتهم و مكاسبهم و أعمالهم.
فالغنى و الفقر معنى عرفي و في كل مجتمع يعرف الناس الحاجات الأساسية التي لا بد منها لتأمين الكفاية و الكفاف. فالزكاة كما ورد في الحديث الشريف “تؤخذ من أغنيائهم و ترد على فقرائهم” . و الزكاة كما ذكر القرآن الكريم أكثر من مرة ﴿و في أموالهم حق معلوم﴾، فكلمة أموال مطلقة يخصصها و يحدد مدلولها في كل بيئة العرف الإقتصادي السائد كما فعل عمر بن الخطاب عندما فرض الزكاة على الخيل بعد أن كانت معفاة من الزكاة في عهد النبي الكريم، و ذلك لتغير العرف من الإستعمال الشخصي إلى الإقتناء للقيمة الإقتصادية .
فلا بد من الربط بين مفهوم النصاب و بين تحقيق وظيفة التكافل و المواساة لفريضة الزكاة، كما نقل الإمام الزنجاني عن الإمام الشافعي قوله أن الزكاة هي مواساة للفقراء على الأغنياء بأخوة الإسلام و معنى العبادة فيها تبع. أما أن لا يكون هناك سقف للإنفاق و الإستهلاك قبل إيجاب الزكاة فهذا أمر لا يكاد يفهم.
فهذا الأفق من الإجتهاد المقاصدي في معنى النصاب و معنى الغنى لتحقيق مقصد الشريعة من الزكاة أمر لا بد من البحث فيه و ابتكار الوسائل الجديدة التي تنطلق من فهم الواقع الإقتصادي لتحقيق التكافل و المواساة . و أظن أن البحث الذي حرره الدكتور محمود أبو السعود في كتابه القيم (فقه الزكاة المعاصر) يقدم نموذجاً جيداً للإجتهاد المقاصدي في موضوع الزكاة من خلال كليات القرآن و السنة و الفهم الرصين لواقع التعامل الإقتصادي في واقع الناس في هذا العصر.
* * *
وأخيراً، عند الإطلاع على ما قرره الفقهاء من اشتراط الكفاءة بين الزوجين لصحة عقد الزواج يستشكل المرء أن يكون النسب و الإنتماء العشائري و القبلي من جملة الأمور التي تطلب فيها الكفاءة و كأن الإسلام يقر طبقية عنصرية التي عرفتها البشرية في كثير من الثقافات و الحضارات.
و الذي يفتح لنا باب الفهم لما قرره الفقهاء في هذا الموضوع أمران: أحدهما النظر إلى مقاصد الزواج و التي تحوي في بعدها الإجتماعي وضع الأسس و المقومات لتقوية صلة الأرحام و علاقات التكافل و التراحم المبنية على القرابة. و من هنا كان اشتراط ما اشترطه الفقهاء مبنياً على معرفة منهم بالعرف السائد في بيئتهم التي تحدثوا فيها، و أن التكافؤ في النسب في تلك البيئة هو شرط لتأصيل صلة الأرحام بمقدماتها و أسبابها .
و الأمر الآخر هو النظر إلى طبيعة عمل الداعية و المربي مقارنة بعمل الفقيه أو المفتي . فالمربي يذكر الناس بالتوجه الأخلاقي و الديني الأصيل في أمر من الأمور و يحاول ربطهم بالقمة في الأدب و السلوك و يشجعهم على المحاولة و المجاهدة لينضبط سلوكهم و تنضبط تصرفاتهم بمقياس القمة و معيار الكمال. أما الفقيه أو المفتي فهو الذي يسبر واقع الناس و يختبر حقيقة أعرافهم و السائد من أحوالهم و عندها تكون فتواه شهادة منه و تقدير للمستوى الذي وصله الناس في سيرهم إلى القمة و تمثل معيار الكمال في أمر من الأمور. و ليس الفتوى بأي حال تقرير لما يجب أن يكون عليه حالهم، فهذا و لا شك خلط بين مهمة المربي و المعلم و الداعية و بين و ظيفة المفتي الذي يقرر ما يراه محققا ً للمقاصد في بيئته، و متناسبا ً مع وضع الناس و حقيقة واقعهم في سياق إجتماعي معين حتى لا يكلف الناس ما لا يطيقون.
فما قرره الفقهاء في موضوع الكفاءة لا يلغي بحال معيار التفاضل الحقيقي ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ و لا يلغي القدوة في فعل الرسول بقوله صلى الله عليه و سلم “التمس و لو خاتماً من حديد” أو عندما زوّج رجلاً على ما يحفظ من القرآن.
فالنظر إلى ما يحقق المقاصد في بيئة و عرف إجتماعي سائد هو مفتاح الفهم لمن يستشكل بعض الفتاوى في قضية الزواج أو غيرها و يبقى النظر المقاصدي الكلي هو الأداة المنهجية الأمثل للتعامل مع الشريعة و أحكامها أو التعامل مع التراث و الإستفادة منه على بصيرة.

أضف تعليق