مداخل و مقدمات لدراسة العقيدة الإسلامية

مداخل و مقدمات لدراسة
العقيدة الإسلامية
يعتبر الحديث عن العقيدة أمراً أساسيا لكل من يريد التعرف على الثقافة الإسلامية. فعقيدة التوحيد هي المفتاح الذي يفتح القلوب البشرية للخير، وينشىء فيها الخير، ويربيها على الخير وينتج منها الخير، ولا يوجد مفتاح آخر لهذه القلوب يهيئها لما تهيئه لها «لا اله الا الله».


ويقبل الناس في بداية رحلتهم للتعرف على الدين يحملهم شوق وحنين فطري لسماع ما يرقق قلوبهم لمعنى الايمان، ويلبي في ضمائرهم الرغبة في حديث يزيدهم خشوعا لله وخوفا منه ورجاء له. فإذا اخذوا بقراءة كتب العقيدة أو التوحيد أو علم الكلام، اصابتهم خيبة امل، ولم يجدوا في امثال هذه الكتب ما كانوا يرجونه منها، لذا كان من الضروري أن نثبت هنا بعض المقدمات التي تعين الدارس على الانتفاع بما جاء في كتب العقيدة دون أن يبالغ في النسبة اليها ما ليس من دورها ولا وظيفتها.
عرّف العلامة ابن خلدون علم الكلام أو علم التوحيد بقوله: «هو علم يتضمن الحِجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة».
وواضح من هذا التعريف أن هذا العلم يهتم بوضع الحدود العلمية والتعاريف الدقيقة لما صح من عقيدة الأمة عن النبي الكريم، وليس من وظيفة من يتصدى للتحرير العلمي الدقيق لمسائل العقيدة أن يتوقف ليشرح كيفية تربية النفس على هذه المعاني وكيفية انصباغ القلب بها حتى تكون صفة لازمة له تسوق الجوارح الى الالتزام بمقتضيات هذا الايمان. فعلم التوحيد هو محاولة لحصر المعاني في عبارات واضحة، تخاطب العقل وفق ما رسخ في العقل البشري من بدهيات، قطعا لاحتمالات الشغب والتشويه، من دعاة الفتنة والمبتدعة.
لقد غلب على كتب الكلام والتوحيد ـ وخاصة القديمة منها ـ التأثر بأسلوب الفلاسفة ومناهجهم في الجري وراء محاولتهم العقيمة في تحكيم العقول في مواضيع الغيب والخوض في المسائل التي لا سبيل للعقل إلى الإحاطة بكيفياتها وهي خارجة عن مجاله وسلطانه. وهي محاولة تُقسّي القلب وربما وصلت بمن يزاولها الى متاخمة الشك والالحاد. ولمثل هذا المعنى صرح الامام الغزالي بخطورة المطالعة للكتب التي تغوص في المناقشات العقلية لمسائل الغيب، فقال: «واذا تركنا المداهنة ومراعاة الجانب حكمنا أن الخوض في علم الكلام حرام إلا لأحد رجلين: رجل استحكمت به شبهة فلا سبيل الى رده عنها الا بمثل حجاج اهل الكلام . ورجل كامل العقل راسخ في الدين يخوض في الكلام ليداوي به شبهة اصحاب الشبه».اه
هناك فرق كبير بين ما يصعب على العقل استيعابه والخوض فيه لإنتسابه إلى مجال الغيب المستور، وبين ما يحكم العقل باستحالته. فما صعب على العقل استيعابه يرجع فيه الى الخبر الصادق من الوحي الالهي ولا يتجاوز ذلك، واما ما يحكم العقل باستحالته فهو الذي يصادم القوانين أو البديهيات المركوزة في العقل البشري. وبمثل هذه المصادمة يستدل المسلمون على فساد العقائد الباطلة، دون أن يكون في وجود ما يصعب استيعابه وفهم تفصيلاته وكيفياته دليل على تماثل الحال بين ما أحالت اليه الشريعة من عمومات لا يحيلها العقل ولا تصادم ما ركز فيه, وبين خرافات وأباطيل وأوهام أهل العقائد المنحرفة والتي يحكم العقل البشري ببادىء الرأي بمصادمتها لبديهياته و أولياته الفطرية.
وقد بيّن الامام الشاطبي في الموافقات أن من القواعد المستنبطة من كون الشريعة أميّة نزلت على معهود العرب الأميِّين في الفهم والادراك. إن الشريعة لم تعرِّف من الأمور الإلهية إلا بما يسع فهمه وأرجت غير ذلك فعرفته بمقتضى الأسماء والصفات وحضّت على النظر في المخلوقات، وأحالت فيما يقع فيه الاشتباه على قاعدة عامة وهي قوله تعالى «ليس كمثله شيء» وسكتت عن أشياء لا تهتدي اليها العقول. ومن طماح النفوس الى ما لم تكلف به نشأت الفرق كلها أو أكثرها. اه. (الموافقات، الشاطبي).
وللقرآن الكريم طريقة متفردة في غرس عقيدة التوحيد في القلب. فبالاضافة الى إمتاع العقل البشري ومواجهته بمنطق فطري واضح بسيط، يضيف القرآن الكريم ما لا تستطيعه محاولات البشر من أسلوب يحتوي على ما يطلبه القلب ويطمئن اليه وما تنتشي به العاطفة والوجدان وما يمتع الحس والخيال من الوان الجمال المبثوث في الكون.
والطريقة القرآنية هي التي تفتح قلب الانسان وعقله على تذوق معنى التوحيد في كل ما يطالع الانسان من مشاهد واحداث وانفعالات في هذا الكون العريض. وقد قرر سيد قطب رحمه الله هذا المعنى بأجلى بيان اذ قال: «… وان العبارة البشرية كائنة ما كانت، والمناهج البشرية في تناول حقائق الالوهية كائنة ما كانت، وإن طرائق العرض البشرية في هذا الباب كائنة ما كانت.. لن تبلغ شيئا مما تبلغ إليه العبارة القرآنية والمنهج القرآني وطريقة العرض القرآنية… وهي ليست قاصرة عن أن تبلغ شيئا مما يبلغه القرآن فحسب، بل ربما كانت مبعدة من الحقيقة ـ كما هي في صورتها القرآنية الفريدة البهيجة ـ مهما بلغ الكاتب من تحري المنهج القرآني وادراك خصائصه» (مقدمات التصور الإسلامي).
إن تذوق معاني الايمان على طريقة القرآن الشاملة المستوعبة لا بد له من مربٍ يأخذ يد الانسان خطوة خطوة على طريق الاسوة والتربية والتأثر بالحال، وتلاوة القرآن بتدبر، والدوام على الذكر ونوافل العبادة… كل ذلك مما يربط القلب بمشاعر الإيمان والتي يصعب الاستغناء عنها بالكتب والمقالات المحررة مهما بلغت من الفصاحة والتركيز والبيان.
لقد كان من نتائج ابتعاد الناس عن التعامل المباشر مع القرآن بطريقته الفريدة في تقرير مواضيع العقيدة أن وقعوا في شرك نصبه لهم فريق من أهل البطالة الذين أرادوا أن يستحيل الإيمان الى كلمات و صيغ و عبارات و قوالب لا تزكي قلباً ولا تحرك باتجاه الفضيلة والخير. «فصلة الايمان بالعمل كصلة الخلق بالسلوك، فإذا آمن الانسان بالله العظيم، وأيقن باليوم الآخر، وصدق بما جاء به المرسلون. دفعه ذلك لا محالة الى استرضاء ربه والاستعداد للقائه، والاستقامة على صراطه. كما أن الشجاع في ميادين الخطر يقدم. والكريم في مواطن البذل ينفق، والصادق في اداء الحديث يتحرى الحق. وعسير ـ بل مستحيل ـ أن يهبط الانسان بحقيقة الدين عن هذا المستوى، أو أن يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما يغاير ذلك» (عقيدة المسلم، محمد الغزالي).
ولقد كان من نتائج ابتعاد المسلمين عن التعامل المباشر مع القرآن بطريقته الفريدة في تقرير مواضيع العقيدة، أن وقع المسلمون في سوء التفاهم حملهم عليه ردود الفعل والتأثر ببعض الظروف التاريخية التي مرت بالامة المسلمة. لقد عبر القرآن الكريم و وصف الذات الالهية بأوصاف وعبارات تقذف في القلب ما يعيد صياغته من جديد وقد امتلأ حباً لله وخشوعا له وخوفا منه ورجاء ورهبة ورغبة وحياء وأنساً… كل ذلك بعبارة مشرقة، حية مؤثرة، تصف الذات الالهية وصفاً من حاوله بعيداً عن القرآن وقع في إشكالات وملابسات. لقد وصف القرآن الكريم الله عز وجل بأوصاف اليد والعين وغير ذلك من الاوصاف التي لا يعلم البشر من لوازم الحياة و القوة والتأثير غيرها، ولكن عبارة القرآن استعملت ذلك برفق ابتعد بها من شبهة التجسيم والتشبه بالخلق سبحانه وتعالى. وقد أجمع المسلمون سلفاً وخلفاً أن هذه العبارات لا يفهم منها قط ما تدل عليه في أصل اللغة من معنى الجارحة والجسمية وأجمعوا على صرف هذه العبارات عن مدلولها الاصلي تنزيها لله سبحانه وتعالى عن صفات النقص ومشابهته لخلقه. «ليس كمثله شيء وهو السميع العليم».
وقد كان من شأن الجيل الاول الذين نزل القرآن بينهم أن ركنوا الى طريقة القرآن في تقرير العقيدة وفهموا من العبارات الموهمة للتشبه بالخلق أو الجسمية انها لا تعني الجارحة والجسمية قطعا ووكلوا ما أريد بها الى علم الله بتسليم واطمئنان. ثم جاءت أجيال من المسلمين أفسد الجدل صفاء إيمانها فلم تعد تطمئن الى ما اطمأن اليه الجيل الاول، ودعاة الفتنة والتشكيك منتشرون يتأثرون بالفلسفة ومناهج الفلاسفة، فانبرى علماء الأمة للرد على موارد الفتنة والتشكيك وقربوا معنى التنزيه للاذهان بما تقبله لغة العرب من انتقال معنى الكلام عن أصل وضعه الى معنى آخر لقرينة تصرف عن المعنى الاصلي (وذلك ما يطلق عليه علماء اللغة المجاز).
وحدث أن ابتليت الأمة بموجة عارمة من الباطنية الملحدة زرعت الشك في كل مصادر الشريعة بتأويلات فاسدة وادعاءات تهدف الى هدم أصول الشريعة واركانها فانبرى لهم شيخ الإسلام ابن تيمية يرد عليهم ويعيد الامور الى نصابها ولكنه رحمه الله وقع في المغالاة وهو يرد على الباطنية فأنكر اي نوع من التأويل وأنكر أن يكون في لغة العرب مجاز تنتقل فيه المعاني بالقرائن الصارفة. مما أوهم بامكانية فهم الجارحة والجسمية بحق الله سبحانه وتعالى. وكان ذلك الإيهام سبباً في سوء تفاهم حاد بين ابن تيمية رحمه الله وعلماء عصره ومن جاء بعدهم من علماء الأمة. وسادت موجة من التقاذف بالتهم بين تجسيم وتشبيه أوتعطيل وما شابه ذلك . و واضح أن كل ما يحمله سوء التفاهم من شحنات الاتهام والعداوة تنتهي بمجرد الرجوع عن مغالاة ردود الفعل التاريخية والرجوع الى طريقة القرآن الفريدة في تقرير العقيدة والوقوف في فهمها على ما وسع الجيل الاول ـ خير القرون ـ وعلى ما تستسيغه لغة العرب من أساليب للفهم والبيان.
إن أحد أسباب انطفاء فاعلية العقيدة في نفوس المسلمين يكمن في التعامل المغلوط مع أسماء الله الحسنى، فلا بد من إعادة صلتنا بأسماء الله الحسنى و صفاته إلى وضعها الصحيح و القائم على البحث عن علاقتنا نحن المكلفين – في ساحة العمل و الإبتلاء – بهذه الأسماء و الصفات، بدلاً من جدل المتكلمين العقيم الذي دار حول الطرف المقابل من هذه المعادلة و هو علاقة الذات بالصفات و الذي لا نملك أداة البحث فيه لأنه من أمور عالم الغيب .
إن من أهم ما يجب على طالب المعرفة حين يتعرف على عقيدة التوحيد ويعلم تفصيلاتها، أن يعلم أن المعرفة هي وسيلة تزكية للنفس وتطهير للقلب واستقامة للجوارح وليست بأي حال وسيلة استعلاء على الناس واتهام لهم وتهوين من شأنهم وما هم فيه إن لمس فيهم الخطأ أو النقص أو القصور.
إن على من علم حدود العقيدة وتفصيلاتها أن يخاطب الناس راحماً ضعفهم وجهلهم، يعلمهم ويبين لهم برفق وتلطف وان يبتعد جهده عن استعمال كلمات الاتهام أو الحكم بالكفر أو الشرك و النفاق. إن على العالم أن يبين أن العمل أو الفكر أو الرأي الذي يلتزمه بعض الناس هو مما يصادم عقيدة التوحيد ويتناقض معها، وليس عليه ولا من شأنه ولا من واجبه بعد البيان أن يتوجه الى آحاد الناس ليحكم عليه و ليطلق عليه الوصف المناسب ـ برأيه ـ فان هذا ـ ولو كان حقا ـ يقطع طريق التوبة والرجوع الى الحق ويفتح الطريق واسعاً أمام الشيطان ليغري بالانتصار للنفس والتمسك بباطل يخيل إليه انه يُبقي عليه ماء وجهه و كرامته.
إن اطلاق وصف الكفر على آحاد الناس ينطوي على خطر كبير، لذلك فقد شدد العلماء في ذلك الا بعد البيان والتوضيح وقيام الحجة، والاصرار والعناد والتبجح بالباطل والدعوة اليه ففي مثل هذه الحالة فقط جاز ذلك ـ وقلما تتوفر هذه الشروط. والاولى الوقوف عند شرح وبيان عقيدة التوحيد وما تقتضيه في الفكر والقلب والواقع وبيان خطورة المخالفة على ايمان المؤمن ونجاته عند الله.
و إذا استعرضنا نشأة علم الكلام و تطوره، نرى أنّ مدلول العقيدة كان يشمل مساحات من القضايا تزداد حسب ما كان يتعرض له المسلمون من التحديات الخارجية من قبل أهل الأديان و الثقافات الأخرى أو التحديات الداخلية من تفاعلات الحياة الإجتماعية. و بمرور الزمن أصبح كثير من متأخري المسلمين يقع في نفوسهم الظن بأن مدلول العقيدة الإسلامية إنما هو محدود بحدود المسائل التي انتظمها علم العقيدة و انغلق عليها في كتب الأولين.
و لو تأملنا أوضاع المسلمين من حيث مدلول العقيدة في أفهامهم كما انتهى إليه الأمر منذ قرون و كما هو معلوم عند عامة المسلمين بل عند كثير من خاصتهم المتعلمين, لو تأملنا لوجدنا أن هذا المدلول يتركز على القضايا الأساسية في العقيدة و هي الإيمان بالله و النبوة و الوحي و الملائكة و اليوم الآخر و القدر و ما هو مندرج ضمنها، و أنه لا يتسع لمسائل أخرى ذات معانٍ عقدية أيضاً يُـدخل التصديق بها في دائرة الإيمان و يُـخرج التكذيب بها إلى دائرة الكفر و من أمثلتها مسألة حاكمية الشريعة الإسلامية و موالاة الكفار و الروح كجزء من التركيب الإنساني و مهمة الخلافة في الأرض كغاية لحياة الإنسان و العدالة الإجتماعية كقاعدة في بناء المجتمع، فهذه المسائل و أمثالها رغم ما لها من مدخل في تحقيق الإيمان و عدمه إلا أنها لا تدخل اليوم ضمن دائرة المدلول العقدي عند كثير من المسلمين و إنما هي عندهم مسائل شرعية لا ترقى إلى درجة الإعتقاد و لا تراها تدرج في اهتماماتهم التعليمية و الدعوية ضمن المؤلفات و البيانات العقدية .
و قد أدى هذا الإنحسار في مدلول العقيدة في الذهنية الإسلامية إلى التجريد الذي ابتعد بالعقيدة عن وجوه الحياة العملية حيث أصبحت الأذهان تنصرف في تحملها للعقيدة إلى عالم الغيب دون وصل له بعالم الشهادة من واقع الحياة الجارية. و كان لذلك انعكاس سيئ على الحياة العملية للمسلمين إذ تقاعست الحياة عن الإندفاع نحو التعمير في الأرض باستثمار الكون و ترقية الإنسان بالحرية و العدالة و السعي الدؤوب لتحقيق الخلافة. فهذه مسائل خارجة في دائرة الوعي عن أن تكون مسائل عقدية .
فلا بد من ترشيد مدلول العقيدة و ما يستلزمه من إدخال العديد من المفاهيم في الوعي العقدي للأمة لإعادة الأمور إلى نصابها و الوضع الذي كانت عليه في النصوص و حياة الجيل الأول من المسلمين الذين رباهم الرسول الكريم و مات و هو راضٍ عنهم. و تتنوع القضايا التي يجب إدخالها إلى الوعي العقدي إلى قضايا ذات بعد استخلافي و بعضها ذات بعد اجتماعي و آخر ذو بعد كوني و رابع تشريعي و هي في عمومها ذات صلة ببعضها و تبلغ مبلغ التداخل. فالقضايا ذات البعد الإستخلافي تشمل حقيقة خلافة الإنسان في الأرض باعتبارها المهمة التي خلق الإنسان من أجلها، و تشمل أيضاً حقيقة الإنسان في نفسه و في تركيبه من مادة و روح، و في قيمته الذاتية و منزلته في الكون، كما تشمل أيضاً شهادة الأمة الإسلامية على الناس باعتبارها المهمة التي أناطها الله سبحانه بها إزاء الأمم تبليغاً للدعوة إليها و إنقاذاً لها من الضلال و تنويراً لها بالعلم و الدين و قياماً إزاءها بالقسط و العدل.
و القضايا ذات البعد الإجتماعي تشمل حقيقة العدالة الإجتماعية و حقيقة التكافل بين أفراد الأمة و كفالة الأمة لأفرادها و حقيقة الحرية الشخصية و العامة بضوابطها و حقيقة حق الإنسان في التكريم المادي و المعنوي.
و قضايا ذات البعد الكوني تشمل قضية تسخير الكون للإنسان و أنه معدٌّ لأجله و منفتح لعطائه و ممهد له لينجز مهمته التي خلق من أجلها, و قضية الرفق بالكون و الحفاظ عليه من الفساد و التدمير
و القضايا ذات البعد التشريعي تشمل كل أحكام الشريعة من حيث الإيمان بحقيقتها حيث يفضي جحودها و التكذيب بها إلى الإنحلال من الإيمان و انتقاضه .
وأخيراً، تتوفر في المكتبات بعض الكتب المترجمة أو المؤلفة بالعربية والتي تتحدث عن الايمان بالله بطريقة تساق فيها الادلة العلمية لاثبات وجود الله تعالى ونفي الصدفة واثبات الصانع وما الى ذلك. والناظر في هذه الكتب يطالع غرائب وعجائب من خلق الله لا شك انها تزيد من الايمان بالله ولكن هذه الكتب في الوقت نفسه تنطوي على ثغرة لا بد من التنبيه عليها. لقد ألفت هذه الكتب وخاصة المترجمة منها بخلفية غربية لمعنى الايمان حيث يبذل الكاتب حهده في اثبات وجود الله بمختلف البراهين والأدلة فإذا انتهى القارىء من قراءة هذه الكتب وبذل ما تحتاج اليه من جهد عقلي وتركيز ذهني… يتنفس الصعداء ويكون منتهى ما أدركه هو الإيمان بوجود الله. الإيمان الفلسفي الذهني البارد الذي يمتع العقل وُيطرب أنصار النظر العلمي ولكن هذا الايمان لا يصل منه الى القلب أثر، ولا يغري بفضيلة ولا يدفع الى تضحية.
إن وجود الله تعالى _وهي قضية تشغل بال المؤمنين الغربيين في مواجهة الإلحاد المتكلف والذي يلبس مسوح العلم زوراً وبهتانا نكاية بالكنيسة وإله الكنيسة_ إن هذا الوجود, لا علاقة له بالمعنى الإسلامي للايمان بالله تعالى, هذا الايمان الذي يعيد صياغة النفس من جديد لتقبل على الطاعات وتترفع عن المعاصي، وتلتزم بمقاييس الإسلام في كل شيء، في القلب والفكر والجوارح. فإذا انتبه الدارس الى هذا المنزلق كان حرياً أن يستفيد من الادلة العلمية المبثوبة في الكتب التي تتحدث عن الايمان ـ بالمفهوم الغربي ـ دون أن يقف عندها ويعتبرها نهاية المطاف في اندراجه في عداد المؤمنين.
فإذا استحضر الدارس هذه المقدمات كان حريَّاً أن يستفيد من كتب العقيدة المشهود لها عند اهل العلم بموافقتها لاهل السنة والجماعة وابتعادها عن شبه اصحاب البدع ومثيري الفتنة، يطلب منها التحرير العلمي الدقيق، ولا يقف عندها لاستكمال معنى الايمان نفسه، بل ينطلق في رحاب العبادة والذكر ونوافل الطاعات وقراءة القرآن، ويتخذ من الرفقة الصالحة والأسوة الصالحة خير معين للترقي في معارج الايمان.

أضف تعليق