خصائص الثقافة الإسلامية
لا بد للمطَّلع على الثقافة الإسلامية من الالمام ببعض خصائص هذه الثقافة حتى لا تشرد به فكرة مسبقة أو استعجال لاهث فيبتعد عن أساسيات وأصول. وقد يجنح الاستعجال بالمرء إذا مزج بالهوى المتبع والاعجاب بالرأي الى فكر غريب عن الإسلام وهديه تبدو عليه سيما الانفعال والارتكاس النزق لبعض الثغرات أو العيوب في بناء الأمة. و يأسف المرء عندما يجد المعالجات الفجة لقضايا التراث تتجاوز خصائص الثقافة الإسلامية فلا يكون للجهد المبذول في تحرير هذه القضايا و تدوينها ما ترجوه من الإصلاح بل ينعكس الأمر لتكون هذه الدراسات عامل اضطراب و تشتت لغياب المنهج الرشيد في تناول قضايا التراث الإسلامي.
1 ـ ثقافة دينية: الثقافة الإسلامية هي ثقافة دينية، بمعنى أن الإسلام هو دين ذو مصدر إلهي يتلقاه المرء من مصدره الموثوق بخشوع وخضوع واحترام تدفعه رغبة للالتزام بالهدى والتعرف عليه تديناً يطمع في الثواب والاجر بمعرفته ويحرص على الاكثار منه باعتباره طريقاً الى الجنة وسبيلا الى الرفعة بين المؤمنين في الدنيا والآخرة.
فالثقافة الإسلامية بهذا المعنى عبادة لها في نفوس المؤمنين قداسة واحترام وهم يتعاملون معها بجدية ليس فيها انتقائية الهوى أو مزاجية طالب المتعة. والثقافة الإسلامية عبادة لها شروطها التي لا يجوز تجاوزها، وسيكون الخطأ والتلفيق وتأرجح الآراء والاهواء واضطرابها هو الحصاد المر لكل من ضاق بالشروط فتجاوزها ولكل من ضاق بالكيفية المحفوظة في تراث الأمة لتلقي هذه الثقافة استعجالاً وتهوراً.
والشرط الذي يكفل سلامة الفهم في دين الله، هو أخذ العلم عن العلماء العاملين المشهود لهم بالعلم والعفة والالتزام تحقيقاً لقول الله تعال: ( اتبعوا من لا يسألكم اجراً وهم مهتدون). ولعل من أهم ما يشير الى هذا المعنى الاساسي في تحصيل العلوم الإسلامية قول النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه الشيخان:
” إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى اذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا”
ويكاد يكون من الإطالة ذكر أهمية أخذ العلم عن أهله، فهم أقدر على البدء بالمهم والبعد عن مشكلات التشابه والتعقيد، والأخذ بيد المتعلم خطوة خطوة على طريق التحصيل حتى تنشأ الملكة وتنمو موهبة الفهم والادراك وتعرف أهم المزالق والمنعطفات في الطريق فيستطيع المرء بعدها أن يتابع رحلته العلمية في الكتب والمؤلفات والمصنفات بعد أن اخذ نصيبه من الفهم لمصطلحات العلم ورؤوس المسائل ومفاتيح حل المشكلات.
وقد نقل الإمام الشاطبي قاعدة مفيدة في هذا المعنى فقال: «كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل الى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال، والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئاً دون فتح العلماء». ولعل المعنى التربوي في الأخذ مشافهة عن العلماء هو الأولى بالاعتبار والاهتمام، فالتطبيق العملي و وضع كل فكرة في حجمها الطبيعي من بناء الشخصية المسلمة المتوازنة هو الأهم من الفهم الدقيق لجزئيات المسائل وآحاد الاحكام. وقد دلَّل الامام الشاطبي على ذلك فقال: «وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف….. فلما ترك هذا الوصف رفعت البدع رؤوسها. لأن ترك الإقتداء دليل على أمر حدث عند التارك أصله اتباع الهوى».
والامر الآخر الذي لا بد من مراعاته في تلقي الثقافة الإسلامية يتعلق بتصور الدارس لدور العقل الانساني والفكر البشري في هذه الثقافة. إن الإسلام هو دين الله أنزله رحمة مهداة لينقذ الناس مما هم فيه من ضعف بشري وهوى وقصور واستعجال، والمؤمن يتلقى توجيهات ربه بالتسليم والقبول والرضى مطمئنا الى أن الله تعالى هو العليم الخبير وانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، لا يحكم إلا بالحق والعدل ولا يقضي إلا بمصلحة وان خفيت على الافهام. والعقل البشري هبة الله ونعمته ركز فيه قواعد للفهم وأساسيات و بدهيات الاحكام يستعملها الانسان بهداية الله لفهم الكون و تسخيره، و التلقي عن الوحي لفهمه و تطبيقه. فالكون هو كتاب الله المفتوح بث فيه سبحانه نواميسه و سننه، و الوحي هو كتاب الله المقروء أثبت فيه سبحانه أصول الأحكام و أصول العقائد , فلا تعارض و لا تناقض بل هو التكامل و الإنسجام. فإذا أسلم العبد قياده لتوجيهات ربه اقتصر دوره بعدها على التلقي والفهم والإدراك للشريعة ومقاصدها، ثم التكيف والتطبيق في واقع الحياة بعد أن كان فهم الكون و سننه و نواميسه وقوانين حركة المجتمعات و سنن تدافعها خير معين على التنزيل الواقعي الصحيح للأحكام و المقاصد.
وهنا لا بد من التنبيه على فرق دقيق في الاوامر الشرعية، فما كان من الأمور الشرعية متعلقاً بالعبادات و الشعائر و العقائد فالأصل فيه الوقوف عند معنى التعبد والخضوع لله دون زيادة أو توسع. وما كان من الأوامر الشرعية في العادات وهي مصطلح يضم تنظيم مصالح الدنيا وعمارة الكون وحاجات الانسان الضرورية، فالاصل في تلك الامور الالتفات الى المعاني والمصالح.
وقد فصّل علماء الشريعة في هذا الامر ووضعوا قواعداً لمعرفة علل الاحكام وحكمة التشريعات وطريقة استنتاج الاحكام، ولكن الذي يهم المبتدىء والمطّلع على الثقافة الإسلامية أن يعلم أن المضي مع أحكام العقول وما تحكم به ببادىء الرأي، أمر ينطوي على خطر محقق إذا تناول العقل أوامر الشرع ذات المعنى التعبدي الواضح بالتحليل والاستنتاج والترجيح، و اعتبار العقل حكماً في أمور خارجة عن نطاقه ودوره وحدوده.
إن الذي يستشعر نعمة الله عليه بالانتقال من الجاهلية الى الإسلام عليه أن يتفقد همَّه وما يشغله ليكون هو التكيف مع منهج الله وشرعه، والحذر من مخالفته، والتحرج من كل ما ألفه المرء واعتاده بعيداً عن الالتزام والانضباط بأوامر الشريعة. والمهم في الامر أن يظل المطلع على الثقافة الإسلامية في موقف الحذر من الاستعجال في الحديث عن الشريعة والاوامر والنواهي والحِكم والعلل ما لم يكن الامر نقلا أميناً من مصدر موثوق.
2 ـ ثقافة عربية: الثقافة الإسلامية ثقافة عربية، فقد نزل القرآن الكريم ـ وهو أساس الثقافة الإسلامية وعمدتها ـ بلسان العرب، فلا بد لفهم القرآن الكريم وفهم الشريعة النابعة منه من فهم لغة العرب وأساليبهم في البيان والتعبير عن المعاني. وغني عن البيان أن ما نزل به القرآن الكريم وكان حجة على الناس ودليل صدق محمد وشرعه الظاهر الى يوم القيامة هو ما فهمته العرب من ألفاظ القرآن وبيانه. وقد قرر الامام الشاطبي هذا المعنى فقال: «لا يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسع لسان العرب، وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن تعتني العرب به والوقوف عند ما حدته». و يقرر في موضع آخر « واذا كانت الشريعة عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم.. ».
ومعرفة هذه الخصيصة المهمة للثقافة الإسلامية على هذا النحو يفسر لنا انتشار واستقرار العربية في البلاد التي دخلها المسلمون، ويفسر لنا ايضا احتفال الائمة والعلماء بذكر أخبار العرب وأشعارهم وطرائفهم، وتدريس ذلك في المساجد وحلقات العلم، وفي هذه الاخبار ما يند عن الادب أحيانا وما لا يليق بمجالس العلم، وما كان أئمة السلف ليترخصوا في ذلك لولا انهم اعتبروا أمر اللغة ديناً، وإن كتب الأدب واخبار العرب لا بد من الصبر على ما فيها من غث وسمين لانها الباب لفهم لغة الشريعة ومصادرها في الكتاب والسنة.
ومعرفة العربية كأحد خصائص الثقافة الإسلامية خير معين على إنماء شعور الولاء لامة الإسلام وإمكانية التواصل مع انتاجها الفكري والعلمي عبر العصور. فالتراث الثقافي والحضاري والمعماري والعسكري كله تنقله إلينا كتب دونت بلغة عربية فصيحة عريقة، ويكاد يكون من غير الممكن تنمية الشعور بالولاء والمودة والاعتزاز بالأمة التي أنتجت هذا التراث دون الإتقان للغتها وتذوق أساليب بيانها وتعبيرها. والمتتبع لنهضة ونشاط الثقافة الإسلامية وإقبال الناس عليها سيجد أن هناك تلازماً واضحاً بين معالم نشاط الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي وبين اهتمام الأمة باللغة العربية وتذوقها والحرص على استعمالها واتقان التعبير بها عن كل معنى جديد في الثقافة والعلوم والمدنية. وبالعكس فان الاهتمام بالعربية مقطوعة ومبتورة عن الثقافة الإسلامية والاهتمام بها وتبنيها هوية وانتماء، لم يزد الأمة إلا بعداً عن العربية وضيقاً بها وتبرماً، وسخرية مصبوبة عليها وعلى العاملين في حقل تعليمها وتدريسها.
3 ـ ثقافة متوازنة: الثقافة الإسلامية ثقافة متوازنة بمعنى أن الإسلام قد اهتم بجميع المكونات الفطرية للحياة الانسانية وأعطى كل ناحية من أشواق الانسان وحاجاته نصيبه وسهمه باعتدال لا يجنح بالحياة الى جانب دون جانب أو الى حاجة على حساب حاجة أخرى. فالله سبحانه وتعالى حكيم عليم خبير يعلم ما خلق ويضع من الشرائع والاوامر والنواهي والآداب ما يكفل تلبية الاشواق الفطرية والحاجات الطبيعية للانسان بيسر وسهولة بعيداً عن الحرج والعنت والمشقة.
والتوازن في الثقافة الإسلامية يمثله القول الجامع البليغ لرسول الله ” أعط كل ذي حق حقه» فلا يقع الانسان بحالة من الاستغراق _ النفسي أو العملي _ في ناحية مهما عظم خطرها وظهرت أهميتها بشكل ينسيه واجباته ومسؤولياته في نواح أخرى.
وحالة الاستغراق أو الذهول أمر لا ينكر ولا يستهجن اذا كان في إطار الاختصاص والتكامل بين المسلمين لتحقيق الكفاية في كل المجالات باتقان يؤكد الاعتزاز والانتماء الى أمة الإسلام، ويرفع الوهن العملي عن الأمة بقيامها بجميع وظائفها الحيوية وحاجاتها الاساسية. ولكن هذا الاستغراق أو الذهول يصبح مرضاً قاتلا وظاهرة يجب التصدي لها ومعالجتها إذا رافقها الاعتراض والانكار أو الزراية والانتقاص للمخالفين بحيث تنعدم القدرة على التعاون والتكامل وتنقطع أواصر الأخوة بسوء الظن والإنكار والاعتراض.
وقد يكون من أسباب البعد عن التوازن رغبة مخلصة في معالجة عيب أو تدارك ثغرة من الثغرات الفكرية أو العملية في كيان الأمة، وقد تحمل هذه الرغبة صاحبها الى التأكيد على الجانب الآخر للعيب الذي يعالجه أو الثغرة التي تلمسها في بناء الأمة، ثم يتطور الامر وتأتي خلوف تبتعد عن تذوق الملابسات التاريخيةالتي حملت على التأكيد على الجانب الآخر وتنشأ مدرسة فكرية خاصة تؤكد على النتائج وتنسى العوامل التي حملت على التأكيد عليها، ويصل الامر الى واقع لا يحمل من مبررات الوجود إلا رغبة التميز و الحزبية والحرص على الاستكثار من الاتباع والمريدين.
ومن أهم ما يحمل الناس على الاستغراق في ناحية من نواحي الإسلام والاقتصار عليها والانكار على من لم يشارك فيها أو خالف في تقدير اهميتها… القراءة الإنتقائية التي تضع سلفا بعض المقررات المسبقة أو المفاهيم الجاهزة أو الأحكام التي قد فرغ منها، شرطاً للقبول أو الرفض أو إمكانية التأويل أو التقييد والتخصيص وما شابه ذلك. وبذلك يصبح كثير من النصوص أو الوقائع والاحداث بحكم المهمل. وتكون النتيجة العملية لهذه الطريقة الانتقائية في التعامل مع الثقافة الإسلامية أن تختفي من حياة الناس أقسام من تعاليم الإسلام وتوجيهاته لضبط الحياة بكل ما تحويه من تنويع وضبط وشمول، ويبتعد المسلمون عن التمثيل الصحيح للاسلام الشامل لجميع نواحي الحياة بتوازن واعتدال.
والبعد عن التوازن حالة عقلية ونفسية تدعو للقلق وتمنع من التعاون وتحرم من الاستفادة من الامكانيات المتوفرة. ولعل من أهم وسائل اكتساب الشخصية المتوازنة ـ والتي يجب أن تكون الهدف العملي للمربين والعاملين في حقل الفكر والتوجيه، أن يحرص المرء على اكتساب الحد الأدنى من كل علم وفن أو مجال من مجالات الثقافة الإسلامية قبل أن يقرأ ما يمكن اعتباره خطوة تخصصية في احد مجالات هذه الثقافة، فيتم النمو الفكري والثقافي بشكل متوازن لا يحمل على تضخيم جانب مع إهمال جوانب اخرى وبشكل يدرك فيه المرء دور كل فن وعلم من العلوم الإسلامية في بناء عقله ومداركه وحسه الإسلامي.
4 ـ ثقافة واقعية: الثقافة الإسلامية ثقافة واقعية بمعنى انها ثقافة عملية تتوجه الى الواقع لتغير فيه أو تعدل، أو تساهم في مسيرة الخير ولتضع العقل والقلب والجوارح على سنن الرشاد والاستقامة. فالثقافة الإسلامية تتوجه الى الواقع ليستقيم الفكر بموازين العلم والحق بعيداً عن الظن والهوى، وليستقيم القلب على الايمان ومشاعر الايمان، ولتستقيم الجوارح فلا يصدر منها الا ما انضبط بمقياس الشريعة والعقيدة.
وأما الكلام النظري الذي يحلِّق في الفراغ ولا يرجع بشيء ذي قيمة على انضباط العقل والقلب والجوارح فليس له قيمة ولا وزن وهو العلم الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه و سلم. وقد قدَّم الإمام الشاطبي لكتابه «الموافقات» بمقدمات مهمة كان من جملتها قوله: «كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي» وقال في اثناء شرحه لهذه القاعدة: العلم المعتبر شرعاً ـ أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الاطلاق ـ هو العلم الباعث على العمل». ولا بد من الاشارة هنا الى أن العمل لا ينحصر بالجوارح، فعمل القلب وما ينعقد عليه من الاعتقاد والمشاعر هو الاهم والاولى بالمراعاة والعناية. «أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله» «ولا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». فالعلم الذي يغير مقاييس العقل والقلب، فتلفح القلب حرارة محبة الحق والشوق لرؤيته واقعاً حياً في الناس، وتنطلق به الجوارح لا تملك رداً لسائق الحب في القلب وحادي الصواب في العقل. هذا العلم بهذا الاثر وبهذه النتائج هو الثقافة المطلوبة المرغوبة التي يجب على طالبها أن يتلمس آثارها في عقله وقلبه وجوارحه. فإن عدمت هذه الآثار فهي السفسطة والفراغ والبطالة.. شأن المختلفين في اسم ولون كلب أصحاب الكهف.
والثقافة الإسلامية ثقافة واقعية بمعنى آخر أيضاً، وهو معنى يتصل بمعنى الشمول في شريعة الله الصالحة والمصلحة لكل زمان ومكان الى أن يرث الله الارض ومن عليها. إنه لا يجوز بحال إغفال جانب واقعي من مشكلة نعالجها أو نتصدى لحلها، مهما كان ذلك الجانب ذا قيمة ثانوية أو غير مهم أصلا في نظر من يتصدى للمشكلات أو يعالج القضايا. إن الإسلام حين جاء الى البشرية اخذ بيدها من واقعها الذي كانت تعيشه، ولم يتجاهل كل عوامل الضعف والقصور في واقعها وفي جبلتها عندما خاطبها لترتقي الى القمة السامقة . (وخُلق الانسان ضعيفا) (وعلم أن فيكم ضعفا) (وكان الانسان عجولا) (كُتب عليكم القتال وهو كره لكم) (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) (وفيكم سمَّاعون لهم).
إن التصدي للمشكلات الواقعية في حياة الناس لإصلاحها بهدي الإسلام أمر لا يستقيم لمن أراد أن يفصل جزءاً من الواقع ويتجاهله ويبني أحكامه على جزء من الحقيقة على طريقة أصحاب التفسير المادي للتاريخ ـ..أن معالجة المشكلات بهذا الشكل لا تنتج إلا احكاماً سقيمة وغير عملية، وأسوأ ما فيها أنها صد عن سبيل الله وتشويه لوجه الإسلام السمح الكامل المتوازن. وفرق كبير بين إقرار الواقع إذا كان سيئاً واتخاذه مقياساً ومرجعاً للقبول أو الرفض… وبين الاستناد الى الواقع للتعرف عليه ومعرفة مركباته ومكوناته، ثم البدأ برحلة التغيير والتطوير بيسر ورفق ودأب والتزام بسنن الله في التغيير. وواضح أن اشتراط المعرفة الدقيقة بأحوال الزمان ومشكلات الناس في كل من يتصدى للاجتهاد واستنباط الاحكام، هو تطبيق عملي لفكرة الواقعية في الثقافة الإسلامية حتى لا تستبعد اجزاء من الواقع لضرورات نظرية مدّعاة، تريد أن تدفع الى رأي جاهز وفكرة مسبقة مهما كان الواقع الحي معاكساً في دلالالته وايحاءاته.