الصوفية

الـصـوفـيـة
أثارت الصوفية الكثير من الجدل حول بعض الافكار أو الممارسات التي عرفت عن الصوفية ومدارسهاوطرقها المتعددة. ولما كانت الفكرة الاساسية وراء الصوفية – كما يؤثَر عن دعاتها و مؤيديها – تزكية النفس وتربيتها على الزهد و الورع والاستعداد بزاد التقوى ليوم الحساب، لا يشك أحد في وجاهـة هذه الأهداف. ولكن الوسائل لتحقيق هذه الاهداف لم تكن دائما لتسلم من النقد والإدانة للتورط بالخروج من السنة الى البدعة أو مزج الإسلام بما ليس من طبيعته من وسائل الملل الأخرى فيما تمارسه من طقوس جماعية أو قهر للجسد أو إهمال النظر في شؤون الأمة!

  • و ليس في النقد والإدانة لبعض ممارسات الصوفية من حرج إذا جرى بآداب النصح و تحري الإنصاف، و لكن هذا النقد تجاوز في بعض الأحيان العدل الى المبالغة والتحامل، فكان لا بد من إثبات بعض المقدمات الهامة عن الصوفية والتصوف تخرج الدارس للثقافة الإسلامية عن مبالغات رد الفعل الى العدل والانصاف والتوازن.
  • من الإنتقادات التي توجه إلى الصوفية أنها تعتمد أسلوباً من التربية للطلاب و المريدين لا يستقيم مع ما عرف عن سلف الأمة من معرفة الرجال بالحق و ليس معرفة الحق بالرجال. فالتربية الصوفية تعتمد على الإستسلام الكامل للشيخ المربي و أن يكون المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله يقلبه كيف يشاء. و كذلك يؤكد مشايخ الصوفية لمريديهم أنه لا تتم الفائدة من صحبة الشيخ إلا إذا تمحض و انحصر التوجيه و التلقي بالشيخ، فلا يقرأ المريد و لا يحضر مجلس علم عند غيره إلا بإذنه، و لا يمدح أحداً من مشايخ عصره بحضرته. فهذه الأصول المتبعة في التربية الصوفية ليس فيها إلا شخصية الشيخ و التمجيد لعلمه و حكمته و الإحتفال بكراماته و الأنوار التي تشع من صلته الخاصة بالله. و غني عن الذكر أن الإحترام الواجب للعلماء و أهل الفضل و الحكمة أمر فطري يساق إليه الناس من تقديرهم لأهل العلم و الفضل و المواهب. و لكن هذا الأمر يصبح فجاً سمجاً يبدو من خلاله التسلط و الإستغلال و البعد عن تربية الأمة على التمسك بالحق بعيداً عن الخضوع لهيلمان أصحاب الأغراض عندما يصبح شرطاً للوصول إلى الله و يبتعد عن تلقائية تقدير هيبة العلم و الصلاح و احترام أهل الدراية و الخبرة و المعرفة.
    و هنا لا بد من الإشارة أنه ليس من الخير مواجهة المريدين و من يحسن الظن بالمشايخ بالإنتقاص و الذم أو الإنتقاد فليس في هذا إلا إثارة العصبيات. و لعل الإعتراف بالفضل و خاصة في الجانب الأخلاقي الفردي لكثير من أتباع المشايخ يفتح طريق القبول بالنصح لقبول النظر فيما يعود من تصرفات كبرائهم و مشايخهم من ضرر على الأمة و من الإنحياز للأعداء و الفاسدين من أهل السلطان. و خاصة و أن فساد أهل السلطان لا يستثني أحداً من الأمة. ليكون في ذلك الأمل في بداية الوعي و التعامل البصير مع أدواء الأمة و مشاركة سواد الأمة في المسؤولية عن محاربة الفساد بدل الإقصاء الذي يفرضه عليهم جو التشرذم و الحزبية.

• تهتم الحكومات و الدول و مؤسساتها الفكرية و الإعلامية بالجماعات الصوفية اهتماماً لا يخلو من محاولات الإحتواء لإستخدام الجماعات الصوفية ستاراً للتمويه و للتغطية على ضرب الحركات الإسلامية التي تحاول أن تجعل من قيم الإسلام و توجهاته و مقاصده محدداً لسياسات البلد و اختياراته النابعة من ثقافته و تاريخه. و قد انطلت الحيلة على كثير من مشايخ الصوفية حتى غدو لا يشعرون أنهم يستخدمون ستاراً للإيهام بأن ضرب الحركات و ما يسمونه الإسلام السياسي لا علاقة له بحرب الإسلام و الدفع بالأمة إلى تبني المناهج و السياسات الغربية و الإختيارات الغربية في التنمية و التعليم و جميع مرافق الحياة. و لو بقي المتصوفة على الحياد لا يتدخلون في أمر السياسة و لا يلتفتون إلا لأمور التربية و العبادة و الوعظ لوجد لهم المرء بعض العذر لإهتمامهم فيما نذروا أنفسهم له. و لكن المؤسف أن أكثر هؤلاء يخرجون من دائرة اهتماماتهم الوعظية ليكونوا من جملة الناقدين و أبواق إعلام السلطة المرددين لأحقاد دعاة التغريب. و هنا أيضاً لا بد من استثارة مشاعر التدين الصادق عند أتباع المشايخ لتنبيههم على فساد التورط بالإنحياز إلى أصحاب السلطان و اختياراتهم في ما يعود على الأمة بالضياع و الشرود.
• تحتوي كتب المتصوفة المنسوبة الى كبار مشايخ الصوفية على عبارات موهمة أو عبارات صريحة يفيد ظاهرها مصادمة واضحة لما ثبت في الشريعة أو لما علم من الدين بالضرورة. ويلجأ المدافعين عن الصوفية الى التأويل البعيد لصرف هذه العبارات عن ظاهرها الى ما يمكن أن يلائم الشريعة، أو الى ادعاء أن هذا الكلام مدسوس على مشايخهم منتحل مدخول من قبل اعداء الصوفية أو اعداء مشايخ الصوفية.
وهنا لا بد من بيان أمرين هامين:
1. لا يسوغ التأويل البعيد للعبارات الموهمة ولا بد من التنبيه على وجوب تجنبها و انكارها، و لا بد من البيان للرأي الشرعي في معاني و دلالات هذه العبارات. ولكن بين بيان الرأي الشرعي وبين اطلاق ما ينبني على هذه العبارات من احكام فرق كبير. فالقول بأن هذه العبارة كفر صريح أو مصادمة لما علم من الدين بالضرورة يخرج من عهدة البيان ويترك الامر واضحا لا لبس فيه، أما القول بأن فلاناً أو شخصاً معيناً كافر أو فاسق- بناءً على ما توجبه دلالات العبارات الموهمة – فإن ذلك لا يزيد في امر البيان شيئا ويفتح الباب واسعا للجدل والعصبية. و هذا الذي نثبته هنا هو ما عناه العلماء عندما قرروا القاعدة أن لازم المذهب ليس بمذهب. و هو واضح في التوقف على الحكم على من أثبت ما يمكن أن يلزم عنه ما يخالف أمراً شرعياً واضحاً حتى يصرح أنه يعني و يريد ذلك المعنى المخالف.
2. لا يجوز إطلاق احكام الكفر والفسق على كل من يحسن الظن بمن تنسب اليه العبارات الموهمة أو الخارجة عن الشريعة، فأكثر هؤلاء يعوزهم العلم والفهم وليس عندهم إلا محبة الصالحين والاولياء والعلماء، فالترفق معهم والتعليم أولى من الاتهام بالكفر والفسق وهم لا يفهمون ذلك الا عصبية أو حزبية موجهة ضد من احبوهم في الله، مما يوقع الوحشة ويصد عن العلم والفهم. و قد يكون من الشناعة إطلاق الأحكام على شرائح واسعة من الأمة ممن ينتسب إلى الصوفية بتعميم ظالم تنقصه الحكمة و الإنصاف، لوجود بعض العبارات الموهمة أو الشطحات المريبة في الكتب التي لا يعلم عنها أكثر الناس شيئاً و لا يقبلون شطحاتها لو واجهوها خارج إطار الحزبيات و العصبيات.
3. يرجع بعض تراث المتصوفة و ما نقل عنهم إلى ما يمكن أن يطلق عليه التصوف الفلسفي، و هو توجه في الكلام عن ذات الله سبحانه بتأثر واضح بمناهج غريبة عن التوحيد الإسلامي المأثور عن سلف الأمة. و هذا التوجه الفلسفي مرفوض جملة و تفصيلاً إذ ليس فيه إلا الكلام الموهم و الذي ينتسب إلى فلسفة وحدة الوجود أو غيرها من التصورات الحلولية البعيدة عن صفاء التوحيد. أما التوجه التربوي السلوكي الذي يهتم بالأوراد و الأذكار و وظائف العبادة فهو أمر طيب مقبول و مفيد إذا التزم بالمنهج العلمي و الإتباع للسنة، و استثمر لتأطير جمهور الأمة في تنظيمات رديفة للقبيلة و العشيرة تؤدي وظائف التكافل و التراحم و التعاون على الخير، و ابتعدت عن الحزبية و التنافس على اكتساب الأتباع و المريدين.
• يكثر الحديث في كتب المتصوفة عن الخوارق والكرامات كثرة مستغربة تخرج الخوارق من الشذوذ الى القاعدة وتجعلها _ بكثرتها _ مصادمة لثبات السنن والنواميس الكونية. واذا كان أصل الكرامات لا ينكر، فإن من المستهجن حقاً أن يكون أمر الكرامات مما يتبارى فيه المتبارون بالقدرة على انجازها بشكل فيه الكثير من التألي على الله و ادعاء ما لم يؤثر عن نبي مرسل أو ملك مقرب.
( انظر إن شئت إلى كتاب ” حلية الأولياء ” لتجد من أمر الولع بالغرائب و العجائب و التحدي بها العجب العجيب ).
فالمؤمن يتطلع إلى فضل الله و ينتظر عونه و مدده بالخفي من اللطف و التوفيق، و لكنه يتأدب بالخضوع للأسباب و السنن التي بثها الله سبحانه في الكون و يرتب أمور حياته و حاجاته بما يعرفه من سنن الله و عوائده في خلقه. و قد بين الإمام القرافي في ” الفروق ” قاعدة في الدعاء المحرم فقال رحمه الله: يجب على كل عاقل أن يفهم عوائد الله تعالى في خلقه و ربطه المسببات بالأسباب في الدنيا و الآخرة . فإذا سأل الداعي من الله تعالى تغيير مملكته و نقض نظامه و سلوك غير عوائده في ملكه كان مسيئاً الأدب عليه عزَ و جلَ .
فلا بد من إثبات ما ينضبط به أمر الكرامات و الخوارق. وننقل هنا ما ذكره الامام الشاطبي في الموافقات «من أن جميع ما أُعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات والتأييدات وغيرها من الفضائل إنما هي مقتبسة من مشكاة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لكن على قدر الاتباع» ثم قال «ومن الفوائد في هذا الأصل أن ينظر الى كل خارقة صدرت على يدي أحد فان كان لها أصل في كرامات النبي ومعجزاته فهي صحيحة وان لم يكن لها أصل فغير صحيحة وإن ظهر ببادىء الرأي أنها كرامة».
• تحتوي كتب الزهد و الرقائق التي يعتمدها المتصوفة في الوعظ و التعليم على الكثير النافع من العلم الذي يفتح باب الفهم لأمراض النفس وعيوبها ومداخل الشيطان عليها. وكذلك تحتوي هذه الكتب على ما يفتح باب الفهم والبصيرة لخطرات النفوس ووساوس الأفكار، ويعتبر هذا النوع من الدراسة أمراً أساسياً لمن يشتغل بأمر التربية والدعوة وخاصة اذا امتلك البصيرة الشرعية التي تمحص بعض ما يترخص فيه المتصوفة من الاعتماد على ضعيف الاخبار و الواهي من الروايات.
• ثبت تاريخيا أن جماعات الطرق الصوفية كان لها الفضل في مد رقعة العالم الإسلامي الى شرقي آسيا وإندونيسيا والى ما وراء الصحراء الافريقية، وقد تمت الرحلة الى الإسلام الكامل خلال أجيال متعددة امتدت في بعض الأصقاع الى اكثر من قرنين. وقد أبدى الصوفية خلالها من الصبر والتسامح الشيء العجيب. ولا تزال مظاهر الخلط بين الإسلام وبعض العادات أو التقاليد الوثنية ظاهرة حتى الآن في افريقيا أو جزر اندونيسيا، تنتظر من يبذل الجهد بالتعليم والتوجه وكذلك تولت جماعات الطرق الصوفية مسؤولية الجهاد لنشر الإسلام أو لمقاومة المحتل في عدد من البلاد الإسلامية في اقريقيا وآسيا.
وما نريد إثباته هنا من خلال هذه الرؤية التاريخية أن الضيق ببعض الثغرات الفكرية أو الثقافية والغلو في التأكيد على ما تقتضيه هذه الثغرات من أحكام تخرج مجموعات بشرية هائلة عن الأمة… إن هذا الضيق وهذا الغلو لا يستقيم مع ما أثبته التاريخ لجماعات الصوفية من دور مشرف على ساحة الدعوة والجهاد وان من الاولى أن يكف المرء عن تتبع عبارات الغلو والإيهام في تراث الصوفية وأن يبذل الجهد على التعليم والتوجيه والرفق والتلطف، وخاصة وأن أمر المغالين من أصحاب الشطحات الى اضمحلال وزوال كلما انتشر العلم وترك الناس الجدل والمراء حول ما نسج حول مشايخ الصوفية من هالات العظمة والقدسية، وأن من المفيد أن نذكِّر اصحاب اللهج والولع بذكر المناقب والانتساب اليها، أو أصحاب اللهج بذكر المثالب والتنزه عنها… إن من المفيد أن نذكر بقول سعيد بن المسيب سيد التابعين لمن طلب منه أن يصنف في مناقب عثمان ومثالب علي رضي الله عنهما: «لو كان لعثمان رضي الله مناقب أهل الارض ما نفعتك، ولو كان لعلي رضي الله عنه مثالب أهل الارض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك والسلام».
• تكثر الروايات عن عبادة وأحوال الصالحين واهتمامهم بإصلاح انفسهم والاخذ بالعزائم في العبادات ونسيان حظ النفس في ذلك كله، ويجب في أمثال هؤلاء الصالحين الكف عن الخوض فيهم واتهامهم بالغلو والتنطع فإن لهم أحوالا تخرجهم عن مقتضى الامر بالنهي عن المشقة والحرج، وخاصة اذا لم يكن في اعتبار أحوالهم ما يضعهم في حال العبادة في منزلة أعلى وارفع من حال سيد العباد صلى الله عليه و سلم الذي استوعب مجالات الكمال بتوازن واعتدال. و قد سئل الشيخ ابن تيمية عن العارف بالله الذي ما رؤي ضاحكاً إلا يوم توفي ولده، فلما سئل عن ذلك قال أحب الله شيئاً فأحببته، و كيف أن النبي صلى الله عليه و سلم بكى لموت ولده إبراهيم. فأجاب رحمه الله: هدي نبينا أكمل الهدي، فقلب هذا العارف لم يتسع إلا لمعنى واحد و هو الرضا بالقضاء، و اتسع قلب نبينا لمعنيين : الرضا بالقضاء و الرحمة للولد.
و خلاصة الأمر أن مجموعات الصوفية هم جزء من الأمة يغلب عليهم صدق الإنتساب إلى هوية الإسلام و تاريخه و نموذج حياته. و يتمتع أكثرهم بأخلاقيات اسلامية شخصية مع الولاء و المحبة و الإحترام لمشايخهم و علمائهم. و في الوقت ذاته يشعر المرء أن ولاءهم لمشايخهم و أهل طريقتهم قد أصبح عند بعضهم مقدماً على الإنتماء للأمة و أصبح سبيلاً لحجب فئة عريضة عن واجبات مقاومة محاولات الأعداء للتمزيق و الدفع بالأمة إلى التيه. و لابد عند مواجهة هذا الأمر من التحلي بالصبر و الحكمة و استثمار مشاعر التدين الصادق و الإنتماء إلى أمة الإسلام لإنجاز ما يجب من توحيد الصفوف و قطع الطريق على دعاة التشرذم و التفريق و الفتنة.

أضف تعليق