سقطت رافعة الحرم

عندما تحل مصيبة أو يحدث ما يسبب الألم من خسارة في الأنفس و الأموال، يبرز السؤال عن القدر و الألم و المشيئة و الرضا و التسليم. و يتصدر هذا الحديث المجالس و يقضي الناس الأوقات يتحاورون للوقوف على ما يريح العقل من دوامة التفكير و يريح القلب من عواصف الشك والإعتراض، و هم يحاولون الخروج من الحزن و ألم الفاجعة إلى فسحة الأمل و الرضا و التسليم. و في أجواء الحزن و الإنفعال لا بد من التذكير بأصول و أساسيات للوقاية من المضي مع الإنفعال و الشطط في القول و العمل.


• و أول ما يجب على المرء أن يتذكره هو أن العقائد و التصورات التي قدمها القرآن الكريم حقائق كونية مطلقة عن الخلق و الخالق، هي حقائق يتناولها العبد لينضبط سلوكه في عالم التكليف و الفعل الإنساني بمعيار الحق و العدل و الإلتزام بالسنن. فإذا انتقل المرء بهذه الحقائق فاستعملها في التفكير في ما يتعلق بجانب الخالق عز و جل و كيف تتعلق الإرادة و المشيئة و العلم بالألم و الضرر، فقد أخطأ الطريق و غاب عنه سبيل الرشاد، و انتقل من التفكير فيما يعنيه و يستطيع التغيير فيه إلى مجال ليس عنده فيه إلا الظنون فيزداد حيرة و اضطراباً و ألماً.
• يؤمن المسلم أن الله سبحانه و تعالى عليم لا تخفى عن علمه ذرة في الأرض و لا في السماء. و علم الله سبحانه و تعالى واسع شامل مطلق، و سابق لوجود الأشياء و حركاتها و تصرفاتها. ( و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) ( ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير )..
• يرشدنا القرآن الكريم أن هذه العقيدة عن سعة و شمول و كمال علم الله يجب أن تستخدم لرد جماح هشاشة الإنسان في مواجهة المحن و المصائب، فيزداد المؤمن تماسكاً و يبتعد عن الهلع و الجزع و الفزع و لا يستسلم للحزن و الأسى. ( . . . لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم، إن الله لا يحب كل مختال فخور ). فالفعل الإنساني في الصبر و التجلد في مقابلة الأسى و الحزن أو التواضع في مقابلة البطر و الفخر و الظلم هو الفعل المطلوب في عالم التكليف.
• يرشدنا القرآن الكريم أن الإحتجاج بالمشيئة الإلهية و القدر الإلهي لتبرير النكوص عن عهدة التكليف و القيام بالواجبات هي طريقة المشركين عند مخاطبتهم بما يجب عليهم. ففي خمسة مواضع سجّل القرآن الكريم احتجاج الكفار بالمشيئة الإلهية لتبرير كفرهم و عنادهم و افترائهم على الله بالتحريم و التحليل. و سجل في موضع آخر ضلالهم عندما برروا بالمشيئة الإلهية نكوصهم عن واجباتهم الأخلاقية و الإنسانية في إطعام المساكين. ( و إذا قيل لهم أنفقوا. . . قالوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) ( إن أنتم إلا في ضلال مبين ).
• لا بد من تحرير مفهوم التوكل في مقابل صرامة الأخذ بالأسباب. فإن كثيراً من مظاهر التسيب و الرخاوة المتفلتة من المسؤولية و الإنضباط بالسنن، ينظر إليها أو تفهم على أنها نوع من التوكل بالله و الثقة بعونه و حفظه. و هذا أمر يسري في الأمة على درجات متفاوتة و يبرز عند حدوث المصائب و الأزمات. و قد أكّد العلماء أن التوكل هو حالة قلبية من الإعتماد على الله و الثقة بعونه و حفظه تصاحب قيام المؤمن بما يجب عليه من المقدمات و الأسباب التي ربط الله سبحانه بها حصول النتائج، و أقام بها نظام الكون. و ذلك حتى يتبرأ العبد من العجب بما قدم من وسائل، و حتى يغلب عليه الشعور بفضل الله عليه و بالمنة له وحده، فلا ينسب لنفسه فضلاً و لا حقاً. فإذا تخلفت الأسباب لم يكن للتوكل معنى بل هي البطالة و العجز و التألي على الله.
• أرشدنا النبي الكريم إلى الأدب الواجب على العبد عندما يصيبه ما يكره في أمر دينه أو دنياه، بأن يتجنب التمني و أحلام اليقظة التي تصور امكانية أن يتغير ما جرى فإن ذلك ليس فيه إلا الحسرة و الغم و الحزن، فـ – لو – تفتح عمل الشيطان.
• أمرنا الله سبحانه أن ندفع قدر المرض بالدواء و قدر الذنوب بالتوبة و قدر العدو بالجهاد. و ينفع هذا قبل وقوع القدر المكروه، أما إذا وقع فإن كان هناك سبيل لدفعه أو تخفيفه بقدر آخر فهو أولى من التمني. فالتمني عجز، و الكَيَس وهو ( الحكمة و الفهم و الحزم ) يكمن في مباشرة الأسباب التي ربط بها الله سبحانه نتائجها النافعة للناس في معاشهم و معادهم، فهذه تفتح عمل الخير، و أما العجز فيفتح عمل الشيطان. و لهذا استعاذ النبي صلى الله عليه و سلم من العجز و الكسل فهما مفتاح كل شر و يصدر عنهما الهم و الحزن و البخل و غلبة الدين و قهر الرجال، فمصدرها كلها العجز و الكسل.
• تأصّلت في كل مهنة و صناعة أعراف و أصول تضبط الممارسة السليمة للأعمال و تقنن تعليمات السلامة و الأمان و تشترط درجة من التأهيل و الخبرة و التدريب للعاملين في تلك المهن أو الصناعات. و بالإضافة إلى التعليمات الصارمة لتحقيق السلامة و الأمان هناك أنظمة خاصة للإشراف على الجدية في تطبيق و تنفيذ تعليمات السلامة تتضمن الفحص و الكشف الدوري و المعاينة المباشرة المستمرة و توثيق المشاهدات و الملاحظات. و بناءً على سجلات توثيق تعليمات السلامة تجري عمليات التقييم للمؤسسات و الشركات و المشاريع و كل ذلك لتفادي الحوادث و وقوع الخسارة في الأموال و الأنفس. و عندما يحدث خلل يؤدي إلى خسارة في الأموال أو الأنفس فإن أول ما يراجع و يجري التأكد منه هو سجلات تطبيق تعليمات السلامة و الأمان و مراجعة طرق التشغيل و الإستعمال و موافقتها للتصميم و برامج تحقيق السلامة و الأمان. و بعد ذلك تتحدد جوانب القصور و النقص و تتحدد المسؤولية عن الخطأ بعد معرفة أسبابه. و تتحدد الطريق و الوسائل لتفادي وقوع الحادث مرة أخرى.
• إن أي حديث عن القدر و التوكل لا يأخذ بعين الإعتبار الصرامة الواجبة في الأخذ بالأسباب في ممارسة الأعمال و الإلتزام بتعليمات الأمن و السلامة، هو عجز و كسل و فتنة عن دين الله. فسنن الله تعالى و عادته في خلقه لا تحابي أحداً و لا تفرق بين مؤمن و كافر و لا تتغير لنبي مرسل و لا ملك مقرّب. فاستعمال الآلات حسب ما صممت له و بالشروط التي تحددها تعليمات الإستعمال و ضمن شروط السلامة و الأمان التي وضعت للتعامل مع الظروف المتغيرة. . . . كل ذلك هو من الحزم الواجب في التعامل مع أقدار الله و سننه. و كل ما ابتعد عن الجدية و الصرامة في التعامل مع السنن و التعليمات و الشروط فهو العجز و الكسل و التمني و الذي لا يجني صاحبه إلا الخسارة و الإضطراب في النظر و الفهم لدين الله.
• إذا وقع القدر المكروه، فإذا كان للعبد حيلة في دفعه فيجب عليه أن لا يعجز عنه، و إن لم تكن له حيلة في دفعه تماسك العبد المؤمن و لم يظهر الهلع و الفزع، فإن ما مضى لا يدفع بالحزن و الهلع بل بالرضا و الحمد و الصبر و الإيمان بالقدر و قول العبد قدّر الله و ما شاء فعل. و قد بين الله سبحانه أن الخيبة و الحسرة هي العقوبة التي تنتظر من أطلق لسانه بالتمني. ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، و الله يحيي و يميت، و الله بما تعملون بصير). فالمؤمن يتأهب لمصائب الدنيا بعُدّة من التوحيد و التوكل و الإستسلام بين يدي الرب تعالى و الخضوع له و الرضا به رباً في كل شيء. و لا يرضى به رباً في ما يحب دون ما يكره. و الله المستعان.

أضف تعليق