تدور بين الناس على مختلف مشاربهم و مستويات تدينهم و التزامهم، أحاديث و مناقشات تعكس أزمة يعيشونها تتعلق بنظرة الدين إلى قضايا معاصرة جاءت بها تطورات الحياة و تعقد أشكالها و ما فرض على الأمة من توجهات هجينة في الواقع الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي، يتوجس الناس منها بفطرتهم و يحسون مخالفتها لصبغة هويتهم الثقافية و الحضارية.
و لفهم هذه المشكلة لا بد من ادراك سياقها التاريخي و الثقافي. جاء العصر الحديث وقد جدّت في حياة الأمة كثير من الامور تطلبت التحقيق والبحث لتحديد الموقف الشرعي منها. لقد حدثت التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث في إطار هيمنة العالم الغربي العلماني ذي الاصول الثقافية النصرانية، وترافقت هذه التطورات مع حملة صليبية استعمارية شرسة شملت العالم الإسلامي من اقصاه الى أقصاه، فكان من الصعوبة بمكان التمييز بين الأمور التي فرضتها الإرادة الاستعمارية لتمييع الهوية الإسلامية ومعالم الثقافة الإسلامية، وبين التغيرات التي جاءت بها التطورات العلمية والثورة الصناعية وتطور وسائل النقل والاتصال، وخاصة عندما يلح انصار التمييع الثقافي على اعتبار نتاج الحضارة الغربية العلمي والثقافي جملة واحدة أو مجموعة واحدة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. و في ظل الظروف الاستعمارية و غياب القيادة السياسية الواعية، اتخذ كثير من العلماء في العالم الإسلامي موقف الرفض للوجود الغربي في بلاد المسلمين سواء في ذلك الوجود العسكري والسياسي أو الوجود الثقافي، وكان العلماء ومن ورائهم جماهير المسلمين هم الوقود في معارك الاستقلال والحرية. وكان صعبا في الظروف التي صاحبت المواجهة والصراع التمييز بين السمين الأصيل النافع من المتغيرات التي جاءت بها التقنيات الحديثة، و بين الغث والخبيث من التوجهات الثقافية و الصبغة الحضارية ذات الاصول الغربية العلمانية النصرانية.
لقد جرى كل هذا و التخلف العلمي يشمل العالم الإسلامي، ففي الوقت الذي كانت الحضارة الغربية تتمخض عن أسباب القوة وتسخير الارض والموارد في دعم وجودها الثقافي، كان العالم الإسلامي في معزل عن معنى تحقيق الكفاية، يعيش منكفئا على نفسه وقد ظن أن الامور ستبقى على ما كانت عليه عشية الانتصار في الحروب الصليبية الاولى، وفتوحات الدولة العثمانية في أوروبا. فقد فقد المسلمون في عصور التخلف العلمي المقدرة على الاتصال الصحيح بالواقع والاحداث في العالم، وكان احترامهم للعلماء الاقدمين وما نقل عنهم، يحول – لا شعورياً – دون التعامل مع الوقائع الخارجية للتحقق من مناسبة الآراء و الفتاوى التي نقلها العلماء الاقدمون لما استجد من ظروف و أحوال.
و لقد ساهم في تأكيد انفصال الفقه – كما يدرّس في المساجد و المعاهد الشرعية – عن الحياة الواقعية، تصور متحفظ عند العلماء و المشايخ لدور العالم في نقل أمانة العلم و الذي ينحصر في شرح عبارات الكتب القديمة و تسهيل وعورة اسلوبها للدارسين مع التورع الشديد من التعليق على مضمون الكتب بنقد أو تعديل أو بيان لتغير الظروف و الأحوال أو محاولة لتنزيل للأحكام على ظروف الحياة الجديدة. و يظنون الخروج عن نص الكتب المقررة جراءة على مقام الفتوى. لقد ساهمت هذه العقلية المتورعة في التعامل مع التراث في تهميش دور الدين و إقصائه عن تزكية الفضاء الإجتماعي و حصره في شؤون العبادات الفردية. و كان نتيجة هذا الموقف أن تحقق لأعداء الأمة من العلمانيين المتغربين ما أرادوه من فصل للدين عن الحياة.
انبرى لمعالجة هذا الخلل في التعامل مع تراث الأمة عدد من الدعاة و العلماء الغيورين، و ظهرت و انتشرت العديد من الكتب التي تبين شمول الدين و شمول قيمه و قدرته على إصلاح واقع الناس و ذلك باعتبار روح الشريعة و مقاصدها من تحقيق العدل و رفع الحرج و التوسعة على العباد و تحقيق المصالح و استقرار المنافع. و صاحب ذلك دعوات للخروج عن الحرفية و الشكلية في التدين، و انتقاد التمسك بكتب المتأخرين الذين تجاوز الزمان طرقهم في التأليف و التصنيف، و دعوات إلى الرجوع إلى مناهل القرآن و السنة و كلياتها و مقاصدها. و قد نجحت جهود ترشيد الصحوة الإسلامية و الحملة الواسعة لتعريف الناس بدينهم و ما يجب عليهم فهمه، و نقلت قطاعات واسعة من جمهور المسلمين إلى الوعي بمزايا الشريعة و نموذج الحياة الإسلامية و استنقذتهم من خداع الدعوات المادية و القومية و العلمانية، و أعادت لجماهير الأمة وعيها بهويتها و نموذجها الحضاري المتميز.
و كان من المفروض أن لا تختلط جهود ترشيد الصحوة الإسلامية بالحوار بين العلماء و الفقهاء في تقليب وجهات النظر حول الأحكام الشرعية و النوازل، و ما يجب أن ينحصر في الدوائر العلمية و المجامع الفقهية و أن لا يشوش العوام الذين أقامهم الله في أعمال و كفايات و لا يمتلكون التأهيل العلمي المناسب للخوض في مناسبة الأحكام أو الترجيح بين الأقوال. و لكن الذي حدث أن كثيراً من اللغط و التشويش عكر جهود ترشيد الصحوة عندما حاول الذين ينقصهم التأهيل العلمي و معرفة مداخل و مقدمات الثقافة الإسلامية، المشاركة في مراجعة قضايا التراث و تقييم عطاء و تراث العلماء الأقدمين، أو الحديث عن أزمة التخلف و كيفية معالجتها.
كانت دعوات العلماء و الدعاة تنطلق من إدراك للخلل في التعامل مع التراث الفقهي دون روية و إدراك لما تغير من الظروف و الأحوال. و كانت دعوة العلماء تعني أولئك المشتغلين بالتدريس و الفتوى و التوجيه، لإصلاح طريقة تعاملهم مع تراث العلماء المتأخرين، و لفت انباههم إلى المفارقات الظالمة التي يؤدي إليها التمسك بكتب الأقدمين و معالجاتهم مع الذهول عن تغير الزمان و الأحوال و الظروف. و على سبيل المثال، نجد الشيخ القرضاوي في ” فقه الزكاة ” يشير إلى المفارقات الظالمة في فهم الزكاة حسب الفتاوى المعتمدة في كتب المتأخرين و التي ينتج عنها أن يدفع الفلاح زكاة ما أخرجته الأرض من الغلة، في الوقت الذي يعفى من دفع الزكاة من يقبض أجور الأراضي الزراعية من الفلاحين أضعاف ما حصل عليه الفلاحون المزارعون. و في مثال آخر نجد الشيخ الغزالي يطلق صيحة إنذار أن التشدد في إيقاع الطلاق يدفع بالأمة إلى تنصير قوانين الأسرة.
و لكن هذه الدعوات تلقتها بعض الأفهام المتعجلة و فهمت منها التساهل و الجرأة على القول في دين الله دون تمحيص. و فهمت منها أن الرجوع إلى مناهل الكتاب و السنة ممكن لكل من عرف شيئاً عن كتب الحديث و تخريج رواياتها و لو لم يمتلك الفهم الكلي للشريعة و لم يدرس مناهج الفهم و الإستنباط و لم تهذب منطقه مجالسة العلماء و دراسة كتب العلم و تراث سلف الأمة. وقد يضاف إلى ذلك ظاهرة توافر النصوص إلكترونياً، والعالم الافتراضي عموماً الذي يُعلي من فاعلية الثرثرة و التساهل في تحرير المصداقية و المرجعية.
لقد أضاف التبسيط المخل لمعنى الرجوع إلى الكتاب و السنة ضرراً آخر و زاد بالتأويل الجاهل على العنت الذي يعنيه التمسك بكتب المتأخرين من فقهاء المذاهب. و نشأت ناشئة أصابها الغرور و استسهلت القفز فوق ما أصّله العلماء من قواعد لنقد المتون و موارد الترجيح و الرجوع بالمسائل إلى القضايا و الكليات الحاكمة في بابها، فغدا حديثهم عن الشريعة و اتباع السنة خبط عشواء و خليطاً من آراء فجة و تحكمات شخصية و حرفية مذمومة و إحراجاً و هجوماً على جماهير الأمة و الإتهام لهم بالإبتداع و مخالفة السنة. لقد جهلت هذه الناشئة المغرورة أن من مقتضيات الترجيح بين الأدلة ترك بعض النصوص لرفع التعارض و لإعمال أدلة أقوى و حجج أرجح، و لا يسوغ في منطق العلم و الشرع أن يسمى رفع التعارض و اختيار الأرجح إتباعاً للهوى أو إهمالاً للنصوص أو إنكاراً للسنة. فلا بد من استمرار الحوار و التمسك الصارم بآداب الخلاف، و صياغة الإعتراضات المنهجية على محاولات التجديد بما يتطلبه الرفق في أداء النصح لأئمة المسلمين و عامتهم.
إنه لا بد من مراجعة كثير من قضايا التراث و أحكام الفقه في الأمور المتعلقة بالواقع المتغير. و لا بد عند دراسة أي قضية من جمع النصوص و الواردة في بابها و الكليات الحاكمة في القرآن الكريم المتعلقة بها. و بعد ذلك لا بد من المحاولة الدائبة لإكتشاف الخيط الجامع لمعاني آحاد النصوص و فهم سياقها و ظروفها، و بعد ذلك لا بد من فهم الواقع و ظروفه و ملابساته لتنزيل المعنى الجامع و معرفة موارد تزكية الواقع بجملة النصوص و روحها و مقاصدها. إن هذه الطريقة التي اتبعها السلف في معالجة قضايا واقعهم لا بد من استصحابها و الصبر على معالجة دقائق معانيها و أسرارها، و اللجوء إلى الله تعالى بالتواضع و الإنكسار و طلب العون و الفهم، مع سلامة الصدر تجاه من مضى من علماء الأمة و لو خالفناهم في بعض ما ذهبوا إليه و قرروه.
إنه لا بد من الأناة عند محاولة التدين بالشريعة و أحكامها. و لا بد من الحذر من المضي مع الاهواء والتقديرات الشخصية. ولا بد من استفتاء الفقيه المسلم الخبير الذي لا يجري مع الهوى ويعطي المصلحة الراجحة حقها من الاعتبار. فالتدين – كما نقل عن سفيان الثوري – هو الرخصة من فقيه أما التشدد فيحسنه كل احد. فالفتوى مسؤولية وأمانة، وبعبارة الامام ابن القيم هي «توقيع عن رب العالمين»، ولا بد لتحمل هذه المسؤولية واداء هذه الامانة من التسلح بالوعي والعلم والدراية والاناة. فالتسرع في الفتوى بغير علم ينطوي على مخاطر و أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار.