الجمال هو عنصر أصيل في بناء الكون، و الإحساس بالجمال هو فطرة إنسانية لا بد من رعايتها و تزكيتها.
فإلى جانب الإهتمام بالمنافع و إبراز جانب التسخير و حكمة الإرتفاق و الإستعمال في المخلوقات، إهـتـمّ القرآن الكريم ببـيان أوجه الجمال في الخلق و أمـر بالـنظر إلى ما وراء الإستعمال و الإنتفاع إشارة إلى أصالة الإحساس بالجمال في شريعة الفطرة التي لا تترك جانباً من جوانب الحياة البشرية السوية إلا و اعترفت به و أولته العناية و أدخلته في مدلول الهداية و مفهوم الدين و التدين. فالجمال و الإحساس بالجمال مدخل فطري إلى النفس الإنسانية نجده على صفحات القرآن و هو يصف الكواكب و النجوم بأنها زينة، يصف الجبال و ألوانها، و يشير إلى الأنعام و الطيور و ما في حركاتها من جمال، و يوجه النظر إلى الأشجار و الثمار و طلعها و ينعها و زينتها.
فالجمال الذي يدل و يشير إلى الإتقان و الإحسان و يغطي المعنى الإستعمالي و الوظيفي للأشياء بمظهر يتجلى فيه الجلال و الجمال و التناسق هو أمر مطلوب و مرغوب، يلاحظه المؤمن و هو يتأمل قول الرسول صلى الله عليه و سلم : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة و ليحد أحدكم شفرته و ليرح ذبيحته. فتسخير الأنعام لطعام الإنسان أمر استعمالي لابد أن يشمله الرفق و الإحسان الذي يزين الحياة و يزيد نداوتها.
و من ناحية أخرى تعتبر الآداب و الفنون هي الوسائل التي يعبر الإنسان من خلالها عن إحساسه بالجمال و الإحتفال به.
فليس في أصل معنى الإحتفال و الإنفعال بالجمال مشكلة أو مصادمة لهداية الدين و لكن المشكلة تكمن في التوازن الصعب بين ميل النفس البشرية إلى الإحتفال بالجمال بعيداً عن الضوابط و القيود التي يستلزمها اعتبار أولوية القيم عند التعامل مع عناصر و مكونات النفس البشرية.
فالنظافة و الطهارة فطرة إنسانية و جمال مرغوب، و البعد فيها عن الإسراف و التبذير إطار أخلاقي و قيمي يضعها في إطار إجتماعي متوازن. و زينة اللباس و كل ما يتصل بها من جمال في الحـُلي و العطر و الألوان، فطرة إنسانية يشترك الناس في طلبها و الإهتمام بها. و يبقى التحدي الذي يواجه النفس البشرية هو : كيف تستجيب لهذه القضية الفطرية و لا تقع في الكبر و الفخر و الخيلاء و الإسراف و التبذير، أو كيف لا يطغى الإهتمام بإبراز الجسد و مفاتنه على الوظيفة الإستعمالية للباس. و ينسحب هذا الأمر على ما يتخذه الناس من أبنية و عمائر و مرافق، فالزينة و الجمال فيها مطلوب و مرغوب و يكمن الإبتلاء في البعد في هذا كله عن الإسراف و عن التعالي و الكبر و الخيلاء و البعد عن تحطيم البعد الإنساني في الفضاء الإجتماعي و البعد عن فرض ثقافة الإقصاء و النبذ لشرائح من الأمة و إعطاء فرصة ممكنة للتواصل بين شرائح المجتمع و عناصره مع رعاية لحمة إجتماعية متعاونة متكافلة.
و تسجيل التجارب الشعورية و خلجات العواطف و الإنفعالات بلغة مؤثرة موحية ( و هو التعريف الذي اعتمده سيد قطب رحمه الله للعمل الأدبي ) أمر إنساني يتبادل الناس عطاءه و إبداعاته و يحتفلون بها عبر الثقافات و الحضارات. و هنا أيضاً يظل التحدي كامناً في ضبط مبالغات الإنفعال و العواطف بالقيم، و كبح جماح المشاعر بالنظر إلى العواقب.
فالشعر و البيان متعة و سحر يزيد الحياة بهجة و أنساً ما لم تصل مبالغات الشعر إلى الكذب و الجنوح إلى الخبال و الهذيان. و الإحتفال بعواطف الحب و الشوق أمر فطري يبعث في النفس راحة و طرباً ما لم يبتعد عن رفرفات المشاعر و نداوة و سمو العواطف ليكون تسجيلاً لفحيح شهوة أو مبالغة في التأكيد على لحظة نزوة و متعة.
و هنا لا بد من الرجوع إلى العرف و ما يشيع في كل بيئة من معايير لنرى مدى الإرتباط بين بعض التصرفات و الممارسات و بين القيم في تلك البيئة. ففعل واحد قد يحمل معان مختلفة و ارتباطاً بقيم مختلفة من بيئة إلى أخرى. و من هنا ميـز الفقهاء في الحكم على الأفعال بين ما هو حرام لذاته – لإحتوائه على الضرر و المخالفة للمقاصد – و بين ما هو محرم لغيره لإرتباطه – عرفيا – بما يخالف القيم و الأخلاق. فإذا زال هذا الإرتباط العرفي بما يخالف القيم و الأخلاق ارتفع حكم التحريم.
و على سبيل المثال، إذا ارتبط لبس رداء أحمر اللون في بيئة معينة بالدلالة على الإنتماء إلى عقيدة الشيوعية و الإلحاد، أصبح لبس هذا اللون حراماً في تلك البيئة لإرتباطه عرفياً بموقف معادٍ لعقيدة الأمة. و كذلك عندما يرتبط لبس السراويل العريضة الفضفاضة بالدلالة على الإنتماء إلى العصابات المتناحرة و تصرفاتها الخارجة على القانون، أصبح لبس تلك السراويل حراماً لما يؤدي إليه من التورط في التشبه بفئة من الشباب الجانح و الخارج على القانون.
و أقرب الأمثلة على ارتباط الحكم بالعرف مسألة الغناء و المعازف. فارتباط الغناء و المعازف بمجالس الخمر و اللهو المحرم و الفجور و المومسات، أمر كان معروفاً في البيئة العربية الجاهلية. و لذلك لا نجد غرابة في النصوص و الفتاوى التي تدل على استنكار الغناء و العزف و الضرب بالدف، لارتباطه العرفي بتلك الممارسات المحرمة. فإذا تحول العرف و لم يعد الإرتباط بالفعل المحرّم متلازماً، انتقل الحكم إلى الإباحة الأصلية.
و في كل ثقافة و حضارة يدرك الناس ببساطة الفرق بين ما يرتبط بمعان سامية مقبولة محترمة و بين ما يرتبط بأنواع السلوك الهابط. فالموسيقى العسكرية أو أهازيج الأعراس أو أناشيد المساجد أمر يرتبط بسلوك اجتماعي لا يقدح في مروءة أو خلق. فيجب أن لا نخلط في الحكم عليها بينها و بين الأغاني أو الموسيقى التي تثير الشهوات و تلهب الغرائز أو تعرض المرأة سلعة رخيصة و جسداً مبتذلاً يمسخ إنسانية المرأة و كرامتها. و بين هذين القطبين طيف واسع من الحالات لا بد من التأني في الحكم عليها.
و على كل حال لا بد من تقرير قاعدة مهمة للحكم على التصرفات و ذلك بحسب كون التصرف جزئياً عارضاً غير دائم و لا مستمر أو كون التصرف كلياً دائماً مستمراً. فمن المعلوم أن أمراً مباحاً حلالاً مثل التنزه في الحدائق و البساتين أو التلذذ بأصوات الطيور و العصافير لو استغرق من المرء وقتاً طويلاً من عمره و برنامج حياته لنسب إلى التفريط و قلة العقل بينما لو مارس المرء هذا الفعل أحياناً فلا حرج و لا لوم و لا تثريب.
فالإهتمام بالفنون و الآداب و الجماليات و كل ما يثير الإهتزاز والطرب عندما يـنضبط بالقيم و الأخلاق و معالي الأمور شيء مباح، بمعنى أن لا حرج في التمتع بها بمعناها الجزئي كمحطة الإستراحة على طريق السفر الطويل و ليس مكاناً للإقامة. فالحياة الجادة بواجباتها و أعبائها لا تسمح بكثير من الوقت للخوض و اللعب إلا عند أهل البطالة و الفراغ الذين لا يحسون بوقع الزمن و لا يحسنون الإستفادة منه في إصلاح دنيا أو تزكية دين.