عندما يتحدث الناس عن العلوم التطبيقية تتمثل في أذهانهم صور المختبرات و الجامعات و مراكز الأبحاث و التطوير للمنتجات و الصناعات. و يتبادر إلى أذهانهم كذلك علوم الكيمياء و الفيزياء و الميكانيك و الرياضيات و التشريح و وظائف الأعضاء و علم الأدوية و العقاقير و تطبيقاتها الطبية أو الهندسية المختلفة. و لهذا يتصور الناس أن الحديث عن الدين في سياق العلوم المادية هو حديثٌ مقحم لا تفهم مناسبته و لا دوره و وظيفته. فقامت الحاجة إلى مقدمة تصل ما انقطع من علاقة بين الرؤية الكونية التوحيدية التي تمثل جوهر هداية الدين، و بين مفهوم تسخير الكون و استثمار طاقاته و إمكانياته بالعلم و التجربة لتحقيق الحياة الطيبة.
فالإنسان في الرؤية الكونية التوحيدية مخلوق متميز زوّده خالقه بامكانيات المعرفة وامكانيات تدوين خبراته و معارفه، و طوّع له الكون و كل طاقاته و موجوداته ليكون خليفة الله في الأرض يستثمر الكون و يتعاهده و يكتشف أسراره و يتفاعل معه بالتسخير و التزكية لتأمين حاجات و متطلبات الحياة الطيبة. و من هنا تحتل المعارف الكونية و العلوم التطبيقية مكانة مرموقة في تصور المؤمن فهي أحد أهم تجليات الفضل الإلهي على الجنس البشري و هي كذلك وسيلة لتوجيه السعي في الأرض لتأمين متطلبات الحياة الكريمة المستقرة.
و قد أنزل الله تعالى الدين هداية جماعية تخاطب الفرد كعضو في مجتمع و لبنة في بناء و عنصر في أمة. و خاطبت الشريعة المؤمنين ليكون أفق تدينهم و مجال اهتمامهم شاملاً للأمة في وجودها الكوني في الزمان و المكان. و من هنا تقرر الشريعة الإسلامية مفهوم فرض الكفاية بشكل يعطي معنى الشمول للدين. فحاجات الأمة في ضروريات الحياة اليومية وعمارة الكون وتحقيق الامن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمجتمعات المسلمين، هي أعمال عادية يؤديها المرء لإصلاح دنياه، و هي في نفس الوقت واجبات دينية ينوي بها المرء أداء نصيبه من فرض الكفاية فيستحق عليها الاجر والثواب. و عندما تتقاعس الأمة عن تحقيق الكفاية تنال جزاءها ضعفاً و وهناً يؤدي إلى تسلط أعدائها في الدنيا وإثماً يترتب عليه اللوم والعقاب في الآخرة.
وقد عاشت الشعوب الإسلامية دهراً وهي تتمتع بالكفاية والتفوق، فقد كان مفهوم التسخير للكون و القيام بواجبات الإعداد للكفاية و التفوق في كل الميادين – العلمية و العملية – داخلاً ضمن الفهم العقدي للتوحيد. حتى إذا غفلت الأمة عن بعض مدلولات و آفاق عقيدتها، وسبقها أعداؤها في العلوم والمعارف التي مكنتهم من تسخير طاقات الكون، ابتليت بتسلط الاعداء الذين عاثوا في الارض فساداً و أهلكوا الحرث و النسل و حاولوا القضاء على ما بقي من قدرات الأمة على تأمين الكفايات. حتى إذا ما تحررت البلاد من الإحتلال العسكري المباشر وأخذت تنشد أسباب القوة والتمكين كان من أول ما انتبهت اليه تحصيل العلوم والمعارف، ففتحت المعاهد والجامعات، وابتعثت الطلاب الى الغرب، وصرفت الاموال الطائلة في هذا السبيل. وكانت حصيلة السعي الى تحصيل العلوم والمعارف في عكس الاتجاه الذي أرادته الأمة. فالكفاية لم تتحقق والأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لم يتحقق، بل ازداد اعتماد الأمة على أعدائها في كل أساسيات الحياة. وكانت أفواج المتعلمين غير قادرة على التعامل مع ثقافة الأمة و تفهم دورها و مكانتها، وغير قادرة على التعامل و الاعتماد على الموارد المحلية، وغير قادرة على تطوير الطرق المحلية التي كانت تؤمن الكفاية في كثير من النواحي. فاقتصر دور المتعلمين في كثير من الأحيان على تثبيت وتأصيل المستورد في كل شيء والدعاية له، وكأنهم عملاء ثقافة أجنبية يروجون بضاعتها ويحمون مصالحها. وقد زاد الامر سوءا أن تطورت في الناس عادات استهلاكية جديدة، تهش للمستورد الاجنبي وتضيق بالطرق التقليدية في قضاء الحاجات اليومية فاختفت من الأمة ثقافة التدبير و الحرص على الإبداع و تعلم مهارات الكفاية و الإنجاز، و ضمرت شريحة الفنيين والعمال الذين كانوا يؤمنون حاجات الناس و متطلباتهم المعاشية اليومية في بعض الثغرات.
واستمر النزيف الاقتصادي في الأمة وزاد اعتمادها على مصانع ما وراء الحدود فانتشر التضخم المالي والغلاء وانتشرت البطالة والفقر. وتبع النزيف الاقتصادي نزيف فكري أو ما يسمى « هجرة الادمغة » فكثير من المتعلمين و الاختصاصيين لم يجدوا في بلادهم الظروف و الإمكانيات التي تؤمن لهم استخدام و تطبيق ما تعلموه من طرق و تقنيات لأنها كانت مرتبطة بنظام اقتصادي وثقافي أجنبي، فقرروا الهجرة والاقامة في الغرب حيث ألجأهم الاستبداد السياسي و الفساد الإداري في بلاد المسلمين إلى إتخاذ قرار الهجرة والرحيل عن البلاد الى غير رجعة.
لقد عانت النخبة المثقفة في بلاد المسلمين من الإلتباس و الخلط بين التحديث والتغريب. فالتحديث هو امتلاك العلوم والمعارف و إجراء عملية التكيف مع ظروف البيئة والثقافة والموارد المحلية، و ذلك لصياغة الحلول للمشكلات الواقعية بعقلية تشجع الإبداع و الصبر و الجهد للرد على تحديات البيئة والعصر. و أما التغريب فهو امتلاك العلوم والمعارف و التقنيات من مصادرها الغربية و إطارها الثقافي والاقتصادي، مع الغفلة عن التكيف مما يؤدي إلى محاولات فجة لاستنساخ الحلول و التقنيات مع الغفلة عن مناسبة ظروف البيئة و الثقافة و الإمكانيات المحلية. مما ينتج تبعية وبعدا عن الكفاية واعتماداً على المستورد في كل شيء حتى تفقد الأمة استقلالها وحريتها.
و معالجة هذا الامر الخطير لا تقوم لها جهود الافراد و المصلحين، إذ لا بد من رسم سياسة عليا لتأمين الكفاية و الإستقلال تأخذ بيد المؤسسات في الأمة لصياغتها بشكل يعدها لتطبيق هذه السياسة والايمان بها والنصح لها.
و مما يؤسف له أن القيادة السياسية و الفكرية في بلاد المسلمين لم تكن واعية لمثل هذا القرار الخطير، فاتجهت الأمة باتجاه التغريب، واتخذ الخطاب الديني موقف المعارضة السلبية – إن صح القول -. فالشجب واللوم والاعتراض لسياسات وممارسات التغريب و التمييع الثقافي، ومن جهة أخرى عطالة مستحكمة تحول دون طرح بديل عملي واقعي للأزمات التي تعانيها الأمة و ذلك من منظور اسلامي شامل. و ترافقت هذه العطالة مع ذهول عن توعية الأمة و تدريبها على مستلزمات و أخلاقيات البديل الإسلامي الذي يفترض نظريا انه يحتاج الى تضحيات وجهود و دأب وصبر. بل كان الامر – في بعض ا لأحيان – يتجاوز الإعتراض أو المعارضة السلبية الى السكوت و الإقرار لنموذج حياة استهلاكي تتوسع فيه دائرة الحاجات لتشمل الكماليات و السفاهيات من المنتجات المستوردة. و واضح أن هذا الموقف لا ينسجم على الاطلاق مع المحاولة الجادة لطرح بديل اسلامي لأزمة التغريب وتدريب الأمة على جدية وأخلاقيات هذا البديل.
وما نريد إثباته في هذا المقال هو التنبيه للمشكلة و إعادة مفهوم التسخير و التعامل مع الكون بمنطق السنن و الأسباب إلى الوعي العقدي الفعال، والحث على التفكير الجاد على المستوى الفردي و الجماعي لتعديل السلوك الإستهلاكي و الممارسات الإجتماعية المرتبطة بالتكاثر و التفاخر، و دفعها باتجاه أخلاق التكافل و التراحم و اكتساب المهارات و الخبرات و تشجيع الإبداع لتلبية الحاجات من خلال الامكانيات و الموارد المحلية.
ومن المفيد أن يفكر الشباب المسلم بطريقة عملية واقعية في هذا السبيل، وذلك بأن يطرحوا على انفسهم اثناء دراستهم وتخصصهم السؤال التالي: ما هو الدور الذي ينتظرني في بلدي عند انتهاء دراستي وكيف يمكن تطبيق الخبرات المكتسبة في الدراسة والاختصاص في الظروف الواقعية التي تسود البلاد.
وعند ذلك لا شك أن الدارس سيجد من خلال التفكير الجاد في هذا الاتجاه ما يزيد في قدرتـه على امتلاك الخلفية النظرية والعملية التي تضعه على طريق المشاركة في حل مشكلة التغريب و العولمة المدمرة لخصوصيات البلاد و العباد، و المساهمة في الإعداد لمشروع وطني ذي رؤية تكاملية للشعوب الإسلامية لتأمين الكفاية وامتلاك خلفيتها العلمية والثقافية والاخلافية.
ولا بد الى الاشارة الى أن الغفلة عن طرح مشروع للنهضة ينطلق من الامكانيات والخبرات المتواجدة على النطاق الشعبي والمحلي في أدنى مراتبها، يحرم الأمة من الفرص المتوفرة للبدء برحلة مقاومة التغريب و العولمة، واعادة الثقة بجدية البديل التكاملي لشعوب العالم الإسلامي وجدارته الأخلاقية لدفع الأمة في طريق الكفاية والإستقلال الحقيقي.