عرفت الثقافة الإسلامية كتابات عميقة ومفيدة عن النفس البشرية وعيوبها ومداخلهاواصلاحها وتزكيتها، وذلك في اطار الكتابات التربوية التي نقلت عن المتصوفة والمربين. والناظر في المواعظ التربوية لامثال الغزالي والمحاسبي والقشيري والسكندري وابن القيم وغيرهم يلاحظ بوضوح أن المعاني العميقة التي يسجلها هؤلاء الائمة هي تأملات وخواطر تغوص في النفس البشرية بروح شفافة وبصيرة شرعية فهمت عن الله بعض اسرار النفس ومعاني تزكيتها وترقيتها في معارج الكمال الانساني، وذلك من خلال التجربة الشخصية والمعاناة الذاتية و البصيرة النافذة في أسرار القرآن الكريم. وكذلك عرفت الثقافة الإسلامية بعض الكتابات عن علم الاجتماع وقوانين العمران وما يتصل بحياة الجماعات البشرية. ويعتبر ماكتبه ابن خلدون في مقدمته أوضح وأدق ما عرف في الثقافة الإسلامية في هذا الباب. و كان ما سجله ابن خلدون في مقدمته عن قوانين العمران والنشاطات الانسانية المختلفة هو حصيلة مشاهدات وتأملات ذاتية استعمل فيها ذكاءه وألمعيته في محاولة كشف بعض السنن والقوانين التي ادرك فكرة ثباتها واستقرارها من خلال الثقافة الإسلامية الواسعة و النظر في تاريخ الشعوب و أحوال معاشهم.
وقد توقف العطاء الفكري للمسلمين عند ما تركه الأئمة الأقدمون في هذا الباب، حتى إذا جاء العصر الحديث وأدرك المسلمون تراجعهم في العلوم وتخلفهم في فهم سنن الله في الكون بعد الغزو الاستعماري الغربي لديار المسلمين، اتجه المسلمون الى الاهتمام بتحصيل العلوم والمعارف في مجال العلوم الإنسانية على نحو ما فعلوه في العلوم المادية التطبيقية. ويبدو أن الخطأ المنهجي الذي اتسمت به توجهات المسلمين لتحصيل العلوم التطبيقية و المتمثل في الغفلة عن إدراك الثقافة المحلية و الإمكانيات و الموارد الذاتية لإختيار التطبيقات العلمية المحلية المناسبة، مما أدى الى البعد عن تحقيق الكفاية والعجز عن مواجهة تحديات و متطلبات الحياة اليومية، قد أصابهم في تعاملهم مع الدراسات الغربية لعلوم النفس والاجتماع، فكانت حصيلة ما نقلوه في مجال العلوم الإنسانية خليطاً غير متجانس وغير متناسق يعوزه المنهج والبصيرة و المعيار.
لقد انطلقت دراسات العلوم الإنسانية الغربية من منهج يعتبر الجانب المادي للإنسان و يركز عليه و يهمل أو يتجاهل عناصر أخرى للوجود الإنساني. فتوجهت الدراسات إلى الإنسان و كأنه كائن مادي تسجل ما يمكن قياسه و التعامل معه بالحواس مثل دراسات العلوم الطبيعية. و انطلقت الدراسات الإنسانية الغربية كذلك من توجه عنصري وقح يتمركز حول الخبرة التاريخية للإنسان الغربي و كأنه النموذج الإنساني الوحيد، بتجاهل عنصري متعمد للحضارات و الخبرات الإنسانية السالفة الواقعة فيما وراء حياة الشعوب الغربية. و كانت الدراسات تفرض نفسها حاكمة على ثقافات و حضارات الأمم و الشعوب و تتجاوز خصوصياتها و تفرّد أوضاعها.
و كانت الغفلة عن فهم طبيعة دراسات العلوم الإنسانية من مصدرها و بيئتها الغربية سبباً لمحاولات نقل فجة من البيئة والثقافة الغربية الى البيئة الإسلامية. و قد دفع هذا الموقف المتعجرف للدراسات الإنسانية الغربية المفكرين والكتاب المسلمين الى تبني خطاب ديني رافض لمعطيات ومنهجية دراسات علوم النفس والاجتماع الغربية باعتبارها علوماً تنطلق من فهم غربي وبيئة ثقافية غربية تفهم النفس البشرية وتتعامل معها في إطار فكري وثقافي غريب وبعيد عن الفكر الإنساني و الثقافة الإسلامية. فإذا ساغ نقل التطبيقات الإنسانية للعلوم الطبيعية و المادية عن الغربيين، فليس بسائغ نقل ما يتعلق بموضوع الدين في أصل تنزله، هداية للنفس وبيان حقيقتها ومركزها في الكون وعلاقتها بربها والكائنات من حولها. و لم يكن موقف الرفض المطلق قادراً على تجاوز التحديات العملية التطبيقية التي تمخضت عنها ابتكارات فنون الإدارة و التنظيم و الضبط و الترشيد السياسي و الإقتصادي. فكان من الواجب أن يتم التعامل مع موضوع النقل و الإقتباس ببصيرة و وعي لمتطلبات الإحتفاظ بالهوية و الإنتماء و إدراك عناصر الخبرة الإنسانية التي تمثل المشترك الإنساني المفيد.
وهنا لا بد من ذكر مقدمة نافعة عن العلوم وطبيعتها:
يتجلى البحث و التفكير العلمي على ثلاثة مجالات أو مستويات:
• مستوى النظريات الكلية الكبرى التي تطرح رؤية كونية تفسيرية شاملة : الطرح الفلسفي
• مستوى الدراسات التطبيقية التي تتعامل مع عناصر الوجود العمراني : الطرح الدراسي / الجامعي
• مستوى الدراسات العملية والتسويقية التي تقدم أنواع المنتجات و الخدمات : الطرح التجاري
وتتأثر العلوم – سواء منها العلوم التطبيقية أو العلوم الإنسانية – بالبيئة الثقافية والحضارية في طرفي مجالات طرحـها، أعني في طرحها و إطارها الفلسفي وطرحها و تطبيقاتها التجارية التسويقية بشكل خاص. فعند التعامل مع العلوم يجب الوعي الى المجال أو المستوى الذي نتناولها فيه. فالطرح الفلسفي الغربي للعلوم التطبيقية و العلوم الإنسانية مرفوض جملة وتفصيلا، فهو يقوم على أساس تفسيري جوهره الإلحاد والمادية. والطرح التجاري الغربي مرفوض كذلك لأنه يستخدم العلوم بخلفية مادية إلحادية لإرضاء شهوات و تحقيق رغبات أو حاجات تنبع من الكيان الثقافي و المزاج الحضاري. فعملية النقل للعلوم و الدراسات في مجالها و طرحها الفلسفي أو النقل للتطبيقات العلمية في مجالها التجاري مع الغفلة عن مجال النقل و مستواه، يساهم بشكل كبير في تدمير ثقافة الأمة وموازينها للضروري وتقييمها لاولويات الاهتمام والانفاق.
أما الطرح الدراسي الذي يلاحظ ويصف ويقيس الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية العمرانية وذلك قبل أن ينتقل الى مرحلة التفسير والاستنتاج _ والتي تتعلق حتماً بالطرح الفلسفي أو التجاري _ فليس هناك من مانع لنقله والاستفادة منه، فإذا كنا لا نرفض القوانين الطبيعية في الفيزياء والكيمياء، وان كان من مقتضيات أو مقدمات هذه القوانين عند الغربيين الالحاد والمادية، كذلك فإن مخالفتنا لأصول الطرح الفلسفي لعلوم النفس والاجتماع عند الغربيين يجب أن لا تحملنا على رفض القوانين والسنن التي اكتشفتها ابحاث هذه العلوم. وبهذا التمييز بين العلوم وإطارها الثقافي تمكن الاستفادة من العلوم الاجتماعية التي خطت خطوات هائلة باتجاه الدراسات الحقلية و الموضوعية. فلم تعد هذه العلوم نظريات مجردة انقدحت في أذهان بعض العلماء، بل أصبحت تعتمد على الدراسات والاحصائيات الحقلية الواقعية التي تتابع وتناقش المجالات المتعددة للنشاط الانساني، و تبحث في الدوافع والعوائق والحوافز و ذلك لترتيب أمور المعاش بشكل فعال. و تبحث كذلك في الترتيب السليم للعلاقات الانسانية وفق المعيار الثقافي للمجتمع. فلا بد من هضم منهجية الدراسات في العلوم الإنسانية و نتائج أبحاثها هضماً إسلامياً و إخراجها بشكل يتناسق مع معطيات الثقافة الإسلامية وواقع البيئات الإسلامية حتى تؤتي أكلها وتمكن الاستفادة منها.
أما النقل لمعطيات وتطبيقات هذه العلوم كما هي في إطارها الثقافي الغربي فلا شك أن آثاره المدمرة تفوق ما تعاني منه الأمة من جراء الخطأ المنهجي الذي تناولت به العلوم التطبيقية فنأى بها عن تحقيق الكفاية و الإستقلال. أما الرفض المطلق لمعطيات علم النفس والاجتماع بحجة المعارضة والمنافسة للفكر الإسلامي فلا أظن أن ذلك سيأتي بخير إلا أن يكون اعترافاً منا بالعجز عن النقل الواعي الذي يستحضر معطيات الثقافة الإسلامية ويستطيع أن يكمل عملية الهضم الثقافي للوسائل و التطبيقات المستجدة على بصيرة ووضوح.
وإذا عدنا الى ما ذكرناه عن ابن خلدون وكيف استنتج من تدرج الكائنات وتسلسلها من البساطة الى التعقيد والتركيب ما أثبت به الوحي والنبوة، في الوقت الذي توصل به داروين وأمثاله من بعض الملاحظات المشابهة الى نفي التدبير وإنكار الصانع. فإن هذا المثال يبين بوضوح أن المسلم لا يرفض تفاصيل المشاهدات وما أخرجته المخابر والمعامل والاحصاءات، ولكنه لا يترك أمر الاستنتاج والتحليل و التفسير لغيره، فللمسلم منهج آخر في فهم الطبيعة والكون والحياة، وهذا هو عين ما نريد إثباته في قضية العلوم الاجتماعية والنفسية.