عندما يطرح مصطلح التخلف يتبادر إلى الأذهان صورة طريق واضح ينتهي إلى هدف مرسوم , و هناك على هذا الطريق جماعات قطعت أشواطاً و مراحل , و هناك جماعات و أقوام آخرون أبطأ بهم السير فتأخروا , و لكن الطريق هو الطريق و الهدف هو الهدف , و ليس على المتأخرين إلا أن يتحروا خطوات المتقدمين و يتابعوا السير لينعموا بما ينعم به المتقدمون. و هذا الطرح لمصطلح التخلف يحمل في طياته افتراض نموذجٍ وحيد للإقتداء و اتجاهٍ اجباري واحد للسير , يدفع بالأمة إلى اللحاق و التقليد دون تمحيص أو اختبار للنموذج و إشكالاته و تبعاته و إكراهاته الفلسفية و الثقافية . عندما نفكر في رفع التخلف بكل مظاهره و أشكاله منطلقين من هاجس اللحاق بمن سبقونا ممن هم وراء الحدود و لا نفكر في التمحيص و المراجعة للطريق الذي نسلكه و الهدف الذي نريد الوصول إليه, نكون قد وقعنا في عقدة النقص التي تؤكد الدونية و تؤصّـل التقليد و الإستيراد .
و من هنا , لا بد من تعريف التخلف و سبر أغوار مكوناته العقلية و النفسية لنكون على بصيرة فيما نختار و لا تبهرنا دعاية الزور التي تؤكد على أن حل مشكلة التخلف ينطلق من إتقان التقليد و المحاكاة في كل شيء و الإستكثار من الإستيراد و تكديس الأشياء , و ذلك سيؤدي و لا ريب إلى التنكر لهوية الأمة و صبغتها و تفرد ثقافتها .
فالتخلف ليس مكاناً ننتقل منه ونغادره إلى موقع نشارك فيه خيرات المتقدمين , بل هو حالة عقلية و وضع نفسي يصيب المجتمعات و الأفراد بالعجز و الكسل و الوهن فتفقدهم القدرة على التفكير و الإنجاز العملي السوي حتى لو امتلكوا الكثير .
فالتخلف هو مرض عقلي يتجلى في التشبث المذعور بما ثبت فقده للنفع والفاعلية و العطاء .
فالوسائل و الأشياء و الترتيبات و التنظيمات تأخذ قيمتها من قدرتها على القيام بوظيفة نافعة . فالقيام بالوظيفة هو المعيار , و أي معيار آخر يستحضر علاقة اعتياد أو عاطفة حنين أو كراهة لتغيير , يعبر عن اختلال في المنطق العملي و سينعكس هذا سلبياً على القدرة على التفكير العملي الذي يواجه تحديات الواقع بعقلية مبدعة لتحقيق الكفاية . لقد اتخذ النبي صلى الله عليه و سلم المنبر و لم يثنه عن المضي في اعتماد الوسيلة الجديدة حنين الجذع . و رغم العاطفة المتوقدة لفراق الحبيب , أمر النبي صلى الله عليه و سلم بدفن الجذع ( الوسيلة القديمة ) و اعتلى المنبر ليقول لأجيال المسلمين بلسان حاله أن الوسائل مهما بلغ ارتباطنا بها أو ارتباطها بنا , لن تتقدم قانون التسخير و الإرتفاق و الإنتفاع الذي يحكم علاقة المسلم بالأشياء و الوسائل .
- و التخلف هو مرض عقلي يتجلى في الزهد و الإزدراء لموروث الثقافة المحلية و الغفلة عن مناسبتها للبيئة و الموارد المتوفرة و قدرتها على الديمومة و التجدد عبر العصور . فعندما تصاب الأمة بعقدة النقص و يغيب معيار العملية و الواقعية عند تقييم الوسائل و الأشياء , يغيب عن وعي الناس إدراك مَواطن القوة و الفاعلية في الثقافة المحلية و خاصة على مستوى عادات الإستهلاك و النظام الغذائي و أنواع الزراعات و العلاقات الإجتماعية . فغياب المعيار العملي للإختيار يجعل المتخلف متشبثاً أحياناً بما لا فائدة فيه و زاهداً أحياناً بعناصر القوة و الفاعلية و التكافل و الكفاية في ثقافته . و نظرة سريعة لنسيج العلاقات الأسرية و لعادات الطعام و تقنيات حفظ الأغذية في المجتمعات الزراعية التقليدية تبين بوضوح مناسبة هذه العادات للبيئة و فعاليتها العالية في تأمين الكفاية . و مع ذلك يجد المرء توجهاً متزايداً للزهد بعناصر الكفاية و الفاعلية بين أفراد الأجيال الجديدة ضحايا التخلف المبرمَج .
- و التخلف هو مرض عقلي يتجلى في الإستراحة للمستورد من النظم و الأدوات و الخوف من أخذ زمام المبادرة لفهم المشكلات و اقتراح الحلول و استثمار مخزون الطاقات و القدرات . إنها عقدة ” الخواجة ” الذي يتصوره المتخلفون أنه من غير طينة البشر و أن له قدرات خارقة لحل المشكلات و الأزمات . إنه العجز عن رؤية عالم الأسباب , و العجز عن رؤية ارتباط النجاح بالقدرة على التسخير . فالإطمئنان للمستورد من النظم و الأفكار و الوسائل مع انعدام القدرة على تكييفها لتناسب الواقع أو تجريبها بعين الحاذق البصير يعني العجز و استقالة العقل و استدعاء من يعيرنا عقله ليفكر في مشكلاتنا , و عندها ستجد الأمة نفسها في دوامة من النظم و المنتجات و الأشياء تزيد الإرتباك و الهدر للطاقات و البعد عن الكفاية و الإسقرار . إن استعارة الوسائل لا يضر إذا امتلكـت الأمة البصيرة التي تعطي للوسائل هويتها و تسخرها لتحقيق أهدافها , كما استعار عمر بن الخطاب نظام الديوان الفارسي لتنظيم الجند و إدارة الجهاد .
- و التخلف هو مرض عقلي يتجلى بجعل مدار الشعور بالأمن و الكرامة الأشياء و الأسماء والمظاهر. فالمتخلف كالمدمن الذي يعتمد في استقراره و هدوئه و سكونه على جرعات من السموم اعتادها فإذا فقدها شعر بما يضغط على أعصابه و كيانه . لقد أنشأ الإدمان فيه حاجات و رغبات تملأ عليه حياته وتصبح شرط سعادته و سروره . و المتخلف يسكن للألقاب و مظاهر التفخيم و التعظيم و يشعر بالإرتباك و بفقد التوازن إن فقد شيئاً منها . إن الإعتزاز و الركون إلى الإيمان بالله و الاستعلاءً بقيم الإيمان تزرع في النفس الشعور بالثقة والأمن و الجدارة و القيمة , و عندها تأخذ الأشياء موضعها الحقيقي فضلاً و منَّـة من الله , يسعى المرء لإقتنائها و استعمالها و تسخيرها و لكنها لا ترقى لتكون سبب اعتزاز أو استشعار قيمة ذاتية .
و التخلف هو مرض عقلي و هزيمة نفسية تتجلى في الفرح الطفيلي برموز ثقافة وافدة و واجهات وجودها على مستوى اللغة و العادات و الأشكال . فإذا بدأت الأمة ترطن برموز ثقافة وافدة و تحلها مكان الإجلال و الإهتمام و تعتبرها معيار شرف و حظوة و تقدم , و بدأت تندفع إلى الإستهلاك و الإقتناء دون تمحيص لتداعيات ما نختار , فقد بدأت الإنحدار و التراجع و فقدت الثقة بالنفس و فقدت القدرة على الإختيار بوعي و بصيرة . إن الأسماء الكبيرة و الدعاية الصاخبة لمنتجات و شركات لا تبيع البضائع و الخدمات فقط و إنما تقدم نموذج حياة و معيار قيمة و منزلة وجاه بعيداً عن القيمة الحقيقية أو الإستعمالية للأشياء . و كل من يقتني البضائع ليحظى بشرف الإنتماء إلى نادي الوجهاء – كما صورت ذلك دعاية الزور – و لا يفكر في قيمتها و وظيفتها الإستعمالية فقد دل على أعراض مرض التخلف تجتال عقله و قلبه . إن الرطانة بلغات العلوج فيما وراء الحاجة و الضرورة , و اعتبار ذلك مدعاة شرف و فخر , هي الهزيمة الثقافية التي لا تترك للأمة فسحة من ثقة و ايمان بالذات لتبدأ رحلة النهوض و الفاعلية لتأمين الكفاية و المكانة بين الأمم .
و التخلف هو مرض عقلي يتجلى في الخوف من التغيير و الإرتياح للجمود على ما سبق و ما مضى , فليس قي الإمكان أفضل مما كان . و أسوأ مافي الأمر أن يرتبط الجمود ظلماً بقيم التدين و الإحتفاظ بالهوية . إن الجرأة على التجريب و الرغبة في المغامرة و التعرض لتحديات الإنجاز هو ما يميز الأمة الحية الجديرة بالمنعة و التمكين . إن العقلية العملية التي استقبل بها النبي صلى الله عليه و سلم اقتراح حفر الخندق في غزوة الأحزاب تعتبر نموذجاً رائعاً للمرونة و العقلية العملية الراغبة في المغامرة و تجريب وسيلة جديدة فوَّتت على العدو فرصة الإنتفاع بالتفوق في عدد الخيل و جعلت طبيعة الأرض مساعداً للتحصن و الدفاع . إن التربية على حب المغامرة يفتح الأبواب لآفاق من النجاح و التفوق لا ينالها المتهيـبون المترددون , و ما على المرء إلا أن يتسلح بالعلم و يعلق همته بمعالي الأمور و يأخذ لكل أمر عدته , و يُـيَـسر الله له بعدها ما قدر له من نجاح .
و التخلف هو الوهن الذي يعني عدم تحقيق الوظيفة العضوية للعقل و المؤسسات و منظومة القيم . فعندما يصاب الجسم بالوهن لمرض أو جراح فهذا يعني أن أعضاء الجسم و أجهزته غير قادرة على القيام بوظائفها الطبيعية المعتاده . و عندما يصيب التخلف مجتمعاً من المجتمعات تفقد أجهزته – مؤسساته و أعرافه و قيمه – القدرة على القيام بوظائفها , فلا القضاء و أجهزته يحقق العدل , و لا المدارس تؤهل لإمتلاك القدرة العلمية و الإدارية لتوفير الكفايات , و لا النظام العام قادر على تجنيد الأمة لتحقيق نموذجها الحضاري فلا تبقى إلا أنانيات الإستبداد و الإستئثار بالمغانم و المكاسب . و ينفك الإرتباط بين منظومة القيم و بين القدرة على تحقيقها و تفعيلها فتبدو القيم و كأنها صنم ليس فيه أثر لنبض الحياة أو قدرة على تفاعل يصلح شأن الدين أو أمر الدنيا .
و التخلف هو مرض عقلي يُـفـقِد القدرة على التمييز بين الأهداف و المقاصد من جهة , و بين وسائل تنفيذها و تنزيلها في واقع معين . فالوسائل عندما تفقد فعاليتها و تصبح معوقاً للإنجاز لا بد من استبعادها و التأكيد و التزكيز على الأهداف و المقاصد فهي التي تشكل معيار القبول و بوصلة التوجه و دليل السير . فالوعي بمقاصد و أهداف الترتيبات و التنظيمات و شروط العقود و متطلبات الوضوح و غيرها , هو الذي يقف في وجه الحرفـية و الجمود و الشكليات و التحايل و التمويه الذي تميز مجتمعات المتخلفين و تبدد أوقاتهم و مواردهم دون طائل .
و التخلف مرض يقنع صاحبه بجدوى التبرير و استنفاد الأعذار للعطالة و القعود و عدم الفاعلية .
و التخلف هو المرض الذي تفقد الأمة معه ذاكرتها فلا يشكل تاريخها مستودع تجارب لبناء المناعة الثقافية و تأصيلها . فليس التاريخ قصة تسرد للمتعة و البهجة و لكنه المحدد للهوية و هو الذي يعرف الأمة بأعدائها و أصدقائها فتتوجه لبناء مستقبلها على بصيرة . فالتمويه و التزوير للتاريخ و حقائقه هو الداء الذي يشل قدرة المتخلفين فلا يملكون الوعي و البصيرة فيقذف بهم عدوهم إلى التيه و الضياع .
و التخلف – بعد هذا كله – هو عجز و كسل و وهن . عجز عن فهم الأسباب و تفعيلها , و كسل عن استخدام الإمكانيات المتوفرة , و وهن عن القيام بالوظائف و الكفايات .
إنَّ مفتاح النهضة و استرداد العافية لمجتمع وقع في العطالة و العجز و الكسل و الوهن أن يبدأ الأفراد فيه بأمور صغيرة يتبنونها و يتمسكون بها و يداومون عليها حتى تصبح عادة متأصلة و يتواصون بها حتى تصبح معيار مروءة و فضل و لتكون بعد ذلك صبغة حياة جديدة . و هذه الأمور الصغيرة لا تحتاج إلى انتظار شيء خارج عقد العزم و صحة الإرادة و العهد على الوفاء. و يستمر هذا الإلتزام و الإمتداد حتى يتشكل في المجتمع تيار النهوض و يمتد حتى يصل إلى مستوى الكتلة الحرجة التي تتفاعل مع الواقع و تغالبه و تغيره .
فالنهضة ليست تغيـيراً فوقياً كبيراً مفاجئاً كما يحلم الكسالى , و لكنها تجميع لتغيرات صغيرة كثيرة دائبة , تنعكس على الأمة بالعافية و الوعي و الفعالية و الإيجابية .