رؤية في الإصلاح

( مقال قديم كتب منذ خمسة و عشرين عاماً، و أرى أن ما قيل فيه مازال يمثل مادة مفيدة للحوار و المناصحة رغم تبدل الأحوال و الأوضاع )

” كتب إلي مرة أخ كريم لإبداء الرأي في برنامج سياسي أعدته الجماعة التي يشارك في قيادتها في إطار المشاركة السياسية لجماعته في الإنتخابات التي ستجري في بلده .

و قد رأيت أن ما تضمنه البرنامج السياسي و ملاحظاتي عليه تشكل نموذجاً لطيفاً لحوار يجري في كثير من بلاد المسلمين. و رأيت أن أشارك الإخوة القراء ما كتبت لعل في ذلك بعض الفائدة في تأصيل رؤية عن الإصلاح و المشاركة السياسية “

 

أخي الكريم حفظه الله

لقد كان من دواعي السرور مبادرتكم الطيبة بطلب إبداء الرأي و التعليق على برنامجكم السياسي , فإن هذا يوحي بثقة نتشرف بها و نسأل الله تعالى أن يجعلنا أهلاً لها .

أظن أن معظم ما جاء في المنهج هو أسس و مبادئ اسلامية عامة لا خلاف على وجاهتها , و قد يخالف المرء في بعض تفصيلات الأفكار و الأنظمة المقترحة و لكن ذلك مسائل اجتهادية سيقضي على الخلاف فيها معطيات الواقع و قرائنه التي ترجح وجهاً دون وجه و خاصة في إطار الشورى التي تقلب الآراء و تختار ما تراه الأمة مصلحة راجحة . و لذلك أرى الإقتصار في التعليق و المناصحة على الكليات ,  ففي هذا غَـناء , و التفصيلات هي شأن من يعيش الواقع  – و أهل مكة أدرى بشعابها –

 

لقد كان واضحاً أن البرنامج السياسي لجماعتكم هو تصور و طرح فكري لنخبة مثقفة لها رأيها و تصورها عن الواقع و سلبياته و يرسم صورة مشرقة لما يجب أن تكون عليه الأمور ليعم الخير و العدل . و أرى أن هذه النقطة تستحق الوقوف عندها للمدارسة و المناصحة . فالنخبة المثقفة من أبناء الأمة هم العدة للتغيير, و لكن المشكلة أن النخبة في أكثر بلاد المسلمين لم تطرح برنامجاً للإصلاح ينطلق من الواقع القائم بمؤسساته و علاقاته و معادلات التوازن فيه  , بل تورطت حركات الإصلاح القائمة على عقلية النخبة في تجاهل الواقع و مؤسساته و مراكز القوة فيه و حاولت أن تبدأ كل شيء من أسس و علاقات جديدة فكان ذلك سبباً في وجود سوء التفاهم الذي استغله أصحاب الأغراض لعرقلة مسيرة الإصلاح .

و قد عجبت أن أقرأ برنامجاً إصلاحياً ليس فيه إشارة إلى خصوصيات الواقع الذي يتعامل معه و كأنه يصلح لكل بلد دون اعتبار أية خصوصية , فأين هي مؤسسة القبيلة و العشيرة في بلدكم و يعلم القاصي و الداني تأثير هذه المؤسسة على ولاء الناس و رضاهم ؟ و أين هي مؤسسة العلماء و أين النقابات و المؤسسات الأخرى و ما هو حجمها و تأثيرها و طبيعة القوى التي تمثلها و ما هو الإمتداد الشعبي لهذه المؤسسات و كيف يمكن التعامل معها بحكمة تكثر الناصر و الصديق و تقلل المناهض المكاشح ؟

لقد تجاهلت الحركات الإصلاحية الإسلامية في أكثر بلاد المسلمين – مؤسسة العلماء – على سبيل المثال , و كان ذلك سبباً في إشكال حرم الحركات الإسلامية جماهير واسعة كان من الممكن أن تستفيد منها و تتعاون معها . و كان سهلاً بعد ذلك حصر هذه الحركات و عزلها و ضربها , و الناس يراقبون الأحداث في برود و بلادة و فيهم أصحاب نخوة و علم و فضل , و لكني أرى – و الله أعلم – أن طرح الحركات لبرنامجها الإصلاحي من خلال عقلية النخبة التي تفترض الوصاية قد زرع إسفيناً ابتعد بالأمة عن قيادتها الفكرية فأسلمتها لعدوها بعد أن مسخت صورة الإصلاح إلى تنافس على السلطة و استبدال لواجهات الحكم و السيادة .

 

كان – البرنامج السياسي – في إطاره العام خطاباً أو طرحاً يؤكد على الحقوق و المكاسب – على طريقة البرامج الإنتخابية لأكثر الأحزاب – . و أرى – و الله أعلم – أن هذا ينطوي على مخاطر و يشير إلى عقلية تمثل أحد أمراض الصحوة الإسلامية المباركة .

إن التأكيد على الحقوق و المكاسب أمر لا يستقيم مع الإعتبار الواقعي العملي لأولويات التربية و التكوين العقلي و النفسي لأمة البناء و جيل العطاء المؤهل للنصر و التمكين . فالأخذ بالإسلام بقوة كمنهج حياة يفرض على المسلمين من التضحيات و الضغوط ما لا يفرضه أي خيار آخر . و دعوة الأمة لتكون على بينة من هذا و استنفار عوامل الصبر و المصابرة تحقيقاً للكرامة في الدنيا و الآخرة , أولى من دغدغة مشاعر الإطمئنان إلى وفرة لا نملك أسبابها و إلى ضمانات لا تستطيعها أقوى الدول إقتصاداً و إنتاجاً و تمكناً . إن خطاب الأمة بلغة الواجبات و إنذارها بما يقع على عاتقها من مسؤولية تحقيق الكفاية , و تحديد صورة الكفاية و مداها بما ينسجم مع هوية الأمة و عقيدتها و ثقافتها و حضارتها حتى لا تقع فريسة للتصور المادي و نموذجه الإستهلاكي , كل ذلك يمثل التحدي الحقيقي لمصداقية أي برنامج سياسي أو إصلاحي  و جديته في تفهم الواقع و الأخذ بيده على طريق الكفاية .

كنت أتمنى أن أعثر على إشارة إلى نسبة الأمية في بلدكم و كيف تجند الأمة لمحاربة هذا الواقع المؤلم بالإمكانات المتوفرة عملياً .

كنت أتمنى أن أعثر على إشارات لإحصاءات و مقارنات تبين ماذا يستورد بلدكم و أين يقع ما يستورده من كفايته في الأساسيات و الضروريات و ما هي توجهات البرنامج السياسي الذي تتبنونه لمعالجة ذلك .

إن وضع برنامج للإصلاح و اقتراح المؤسسات و الوعد بالوفرة و الخير و العدل دون الإشارة إلى قصور الواقع و تخلفه عن تحقيق أوليات الإنطلاق و امتلاك مهارات  الكفاية , و التركيز على سلبيات الواقع الأخلاقي و أمانة القائمين على إدارة أجهزة الحكومة و مؤسساتها , إن هذا كله يشير إلى فكرة غريبة انتشرت بين أبناء الصحوة الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه , و مفادها أن الرجوع إلى الإسلام كهوية و رفع شعاره كمنهج حياة و الإلتزام بأخلاقاته و شعائره يحل المشكلات الإقتصادية و الإجتماعية و الإدارية و السياسية  تلقائياً بطريقة غيبية سحرية و بشكل يعفينا من الجهد اللازم للبناء و اكتساب المهارات و الخبرات و الصبر و المصابرة لمكابدة الواقع و فهمه و معالجته . هيهات إن سنة الله لا تتبدل و لا تتحول و لابد من الجهد الإنساني الواعي للأخذ بيد الأمة على طريق الإعداد و الإستعداد لبلوغ الآمال

.

و أتمنى أن يطلع إخوتنا على تجارب شعوب أخرى خاضت تجارب في الإصلاح و لم ينقصها الطموح و الإخلاص و كيف واجهت عقابيل المشكلات المترتبة على قلة الإمكانيات الإدارية و العلمية و انخفاض مستوى الأداء فشلاً و إحباطاً و ضياعاً لفرصة ثمينة بنيت عليها آمال كبيرة .

أضف تعليق