خير أمة أخرجت للناس

عندما نقرأ قول الله تعالى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، نعلم من سياق الآيات أن المراد بهذه الأمة هم الجيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم. فقد خاطبت الآيات المؤمنين قبل هذه الآية ( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله ) و كذلك خاطب سبحانه و تعالى ذلك الجيل المبارك : ( و اذكروا إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ).

و قد فهمت هذه الشهادة بالخيرية بطرق مختلفة متفاوتة، و لابد من مناقشة ما فهمه المسلمون من مقتضيات هذه التزكية الربانية لتعود الأمور إلى نصابها من التوازن و الإعتدال.

درج كثير من الوعاظ و الخطباء على اعتبار هذه الآية وصفاً بالخيرية لأمة محمد صلى الله عليه و سلم لمجرد الإنتماء و الإنتساب. فلا بد من الحذر والتحذير من الخطاب الديني الذي يتخذ مثل تلك الشهادة من رب العالمين مادة للتخدير والإلهاء والغفلة عن الإعداد والإستعداد والجدية في القيام بالواجبات والتكاليف لنيل فضيلة التشريف.

ولهذا نبّه كثير من المفسرين إلى أهمية اعتبار شروط الخيرية المذكورة في الآية. فقد نقل الشيخ القاسمي في تفسيره ما رواه ابن جرير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى من الناس تكاسلاً، فقرأ هذه الآية { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ثم قال: من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها. ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: هذه الخيرية لها مواصفات وعناصر( تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ). فإن تخلف عنصر من هذه العناصر، انحلت عنكم الخيرية، فالخيرية لكم بأشياء هي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإيمان بالله. وأما الشيخ ابن عاشور رحمه الله فيقول:  أي حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها، لأنّهم اتّصفوا بالإيمان والدّعوة للإسلام وإقامته على وجهه والذبّ عنه النقصانَ والإضاعة .

ومن جهة أخرى، يقرر علماء مصطلح الحديث أن هذه الآية الكريمة تدل على أن الصحابة كلهم عدول. فهم الذين شهد لهم الله سبحانه و تعالى بالخيرية و السبق و الفضل. فعلم الرجال و الجرح والتعديل لا يتوقف عند جيل الصحابة لمناقشة أحوالهم فهم عدول يستوفون بصحبتهم شروط الصدق و القبول لما رووه بلا تحفظ.

و في هذا المقام أرى من الضروري أن نستحضر ما ذكره الإمام الشاطبي في الموافقات من الفرق بين الأحكام الكلية و الأحكام الجزئية. فهناك أحكام و قضايا كلية يمكن أن نثبتها ونقيم  الدليل القاطع على صحتها و وجاهتها، مثل حجية القياس والإجماع وحجية السنة، وعدالة الصحابة، فإذا جئنا إلى قياس في الإستدلال على مسألة ما كان ذلك القياس ظنياً و لا ينسب منكره أو من لم يقبل به إلى إنكار القياس من أصله. و كذلك لا يصح أن نتهم من لم يقبل حديثاً نبوياً من مرويات أحد الصحابة لتعارض وجده أو توهمه أنه منكر للسنة أو منكر لعدالة جيل الصحابة. فلا بد من التمييز بين الحكم الكلي و بين الحكم الجزئي. فعدالة الصحابة حكم كلي تشهد له الآية ( كنتم خير أمة ) و لكن هذه الشهادة هي حكم كلي  يجب أن لا يُفهم منها أن جميع أفراد الصحابة يرتقون  إلى ما يشبه العصمة، بل العصمة هي لمجموعهم و الصبغة التي صاغت حياتهم و مجتمعهم.

ففي ذلك الجيل المبارك درجات من الفضل و السمو، و فيه ملامح ضعف و قصور إنساني نستشفه من الآيات التي نزلت للتوجيه و التعقيب على ما كان من الصحابة في مواجهاتهم مع الجاهلية من حولهم لتربيتهم و توجيههم.  ( لقد رضي الله عن الذين يبايعونك تحت الشجرة )، ( و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار والذين اتبوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه )، ( إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم و تنازعتم في الأمر من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا و منكم من يريد الآخرة ). (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم والله غفور حليم).

و من هنا لابد أن ينتبه الدارسون و الباحثون إلى ضرورة التزام الجدية العلمية في تطبيق قواعد نقد المتون و نصوص المرويات ولو أدى ذلك إلى ترك رواية عن الفضلاء لمعارضتها لقاعدة قرآنية كلية أو دليل أرجح. فنحن لا ننسب الصحابة الكرام إلى العصمة و لا نستبعد أن يصيبهم الوهم أو الخطأ و النسيان الإنساني. وليس في رد الرواية لدليل أقوى طعن في جيل الصحابة أو قدح في عدالتهم و سبقهم و فضلهم. ومن الضروري أن نعلم أن الذين يقومون بالترجيح بين الأدلة هم أهل المعرفة و الإختصاص. أما من لم يكن منهم فلا بد من أن يحذر من الخوض في نقد الروايات و الأحاديث أو الطعن في الصحابة أوانتقاصهم بغير علم.

و قد تورّط متأخرو الشيعة في شناعة انتقاص الصحابة و حصروا شهادة الآية الكريمة في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مع استثناء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الشهادة بالخيرية بطريقة انتقائية مزاجية اعتباطية، وتجاهلوا ما كان لجيل الصابة بمجموعه من البذل و الجهاد لنشر دين الله و تحقيق النموذج القدوة.

ولا ندري إلى أين يصل افتراء الكذب على الصحابة الأبرار بالشيعة المتعصبين الذين يتورطون في موالاة أعداء الأمة ويغربون في اختراع وسائل تشرذمهم وانسلاخهم عن جسم الأمة. وقد أنصف ابن القيم رحمه الله عندما وصف الذين يستسهلون سبّ الصحابة وانتقاصهم بأنهم شرّ من اليهود و النصارى، فقال: لو سألنا اليهود من خير الناس بعد نبيكم لقالوا أصحاب نبينا، ولو سألنا النصارى من خير الناس بعد نبيكم لقالوا أصحاب نبينا، ولو سألنا الشيعة المتعصبين من شر الناس بعد نبيكم لقالوا أصحاب نبينا. و قال ابن القيم في موضع آخر من “زاد المعاد” :( ومن ظن بالله أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطاً مستقراً دائماً في حياته وفي مماته وابتلاه بهم لا يفارقونه فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيه وظلموا أهل بيته و سلبوهم حقهم وأذلوهم و كانت العزة والغلبة لأعدائه وأعدائهم . . . . ثم جعلوا أعداءه الذين بدلوا دينه مضاجعيه في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة، فقد ظنوا بالله أقبح ظن و أسوأه). (ص 221)

إن شهادة الله سبحانه لذلك الجيل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية هي حكم كلي جماعي يدلّ على أن هذا الجيل بمجموعه قد أدى مهمته الكونية التي أوكلت إليه. لقد تمثل هذا الجيل بمجموعه و أغلبيته قيم الوحي وعاشها وشعر بنعمة الله عليه بها، فساح في الأرض يبلغ الدعوة و يضرب المثل الصالح الذي يغري بالاقتداء و يتربّع على قمة أخلاقية ربانية سامقة تجاوبت الفطرة الإنسانية معها فدخل الناس في دين الله أفواجاً.

و من المدهش حقاً أن يرى المرء العرب الذين كانوا يفتخرون بالأنساب و يقيمون وزناً كبيراً لشرف الإنتماء إلى القبيلة، وتدور حياتهم و شعرهم وثقافتهم حول مآثر ذلك الإنتماء، يتمثلون قيمة المساواة الإنسانية و يتمثلون معيار الكرامة القرآني ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) بشكل يبرز سابقة تاريخية وقمة سامقة تتشوف الإنسانية إليها على مدى العصور.

ذكر عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد دعاه عيسى بن موسى وكان من أمراء بني العباس وهو ابن أخي أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس، قال : دخلت عليه و كان شديد العصبية للعرب. فقال: من كان فقيه البصرة؟ فقال ابن أبي ليلى: الحسن الصري، قال ثم من؟ قال: محمد ابن سيرين. قال فما كان هذان؟ قال: من الموالي. قال فمن كان فقيه مكة؟ قال: عطاء بن يسار و مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير و سليمان بن يسار. قال فما كان هؤلاء؟ قال: من الموالي. قال: فمن كان فقيه المدينة؟ قال: محمد بن المنكدر و زيد بن أسلم. ( و هم من طبقة شيوخ الإمام مالك ) قال فما كان هذان؟ قال : موليان. قال فتغير لونه. قال فمن كان فقيه قباء؟ قال : ربيعة الرأي و أبو الزناد. قال فما كان هذان؟ قال: من الموالي. قال : فاربدّ وجهه. قال فمن كان فقيه اليمن؟ قال : طاووس و ابنه و وهب بن منبّه. قال فما كان هؤلاء؟ قال : موالي. قال فتغير لونه و انتصب قاعداً. قال فمن كان فقيه خراسان؟ قال عطاء الخراساني. قال فما كان هذا؟ قال مولى. قال : فازداد وجهه تربداً. قال فمن كان فقيه الشام؟ قال مكحول. قال فما كان مكحول هذا؟ قال : مولى. قال فاسود وجهه اسوداداً حتى خفته. فقال من كان فقيه الكوفة؟ قال ابن أبي ليلى: و لولا أنني خفته لقلت الحكم بن عيينة و عمار ابن أبي سليمان، و لكن رأيت في وجهه الشر، فقلت ابراهيم و الشعبي. قال فما كان هذان؟ قال عربيان. فقال الله أكبر و سكن جأشه.

لقد تبوّأ أبناء البلاد المفتوحة من الموالي مراكز القيادة العلمية والدينية في المجتمع الجديد لأنهم وجدوا أن العرب الفاتحين هم حملة رسالة ربانية عالمية وحملة هدي رباني يتعالى على تفاهات القهر و الإستعباد. و إذا كان قول الخليفة عمر بن الخطاب ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) يمثل أحد القمم في تربية ذلك الجيل، فإن إقبال أهل البلاد المفتوحة (الموالي) على القرآن واهتمامهم بعلومه و لغته وكل ما يتعلق به هو أبلغ في الدلالة على نجاح الجيل الأول بجملته في مهمته لتقديم رسالة إنسانية عالمية تستقطب الناس دون تمييز للمشاركة في بناء حضارة عالمية بلسان عربي وثقافة قرآنية ز نموذج تربية نبوية ، فكان بذلك جديراً بشهادة رب العالمين بالفضل والخيرية.

و لو تصور أحدهم أن السكان الأصليين من قبائل الهنود الحمر في أمريكا تمكنوا بعد وصول المهاجرين الأوروبيين أن يكونوا الأغلبية في المحكمة الدستورية العليا و أن يصل بعضهم إلى مرتبة رئاسة الكنيسة في مدينة أو ناحية من النواحي، لما شك عاقل أن ذلك هزل و تندر بمصير أولئك المساكين الذين لم يتسع الضمير العنصري الغربي لوجودهم ولم يرَ فيهم إلا ما يستحق الإبادة و التدمير. و إذا كان المؤرخ توينبي يقول (لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب ) فقد أخطأ الوصف، فالفاتحون لم يخرجوا إلى الناس بهويتهم العربية بل كانوا أرحم ما عرفه التاريخ من الفاتحين لأنهم مسلمون بتربيةٍ قرآنيةٍ نبويةٍ و رسالة إنقاذٍ إنسانية لم تحركهم دعوى العصبية أو استعلاء العنصرية، فتلقت القلوب و العقول رسالتهم ونموذج حياتهم بالرضى و القبول.

أضف تعليق