التعلق بالماضي داء و دواء

يعيش المسلمون اليوم في عصر الفتنة بإنجازات الحاضر التي فتحت أبواباً من تسخير الطاقات وأنواعاً من الخدمات والتسهيلات بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية. و قد ساهم هذا الواقع الجديد في طرح قضية العلاقة بالماضي و التاريخ والتراث. لقد أصبح الحاضر الذي تصوغه توجهات الحضارة المادية الغربية هو المعيار لصحة التوجه وسلامة و التفكير. و أصبح التعلق بالماضي – بكل أشكاله – انتكاساً عن التطور و التقدم، واغتراباً عن واقع  العيش في العصر و ما يفرضه الحاضر من منطق و قيم و ممارسات.

ومما يزيد من وقع الفتنة بالحاضر أصوات تتعالى وتزعم أن كل تعلق بالماضي هو وقوف ساذج على أطلال الحبيب، وبكاء عابث على ماضٍ لن يعود، وتمجيد للماضي الذي لا يخلو عن معايب وأخطاء، واعتزاز فارغ بما طواه الزمان، وكل ذلك يصرف عن فهم العصر والتفكير الرشيد في الإعداد المستقبل. ويلمح المرء في هذه الأصوات صدى التوجهات الشعوبية التي حاولت الطعن بالإسلام من وراء ستار انتقاد عادات العرب وثقافتهم وشعرهم وخاصة الوقوف على الأطلال.

والوقوف على أطلال ديار الأحبة والإستغراق في ذكريات الوصال وما مضى من عهد اللقاء و الأنس بالحبيب، ظاهرة فنية أدبية وجدانية ممتعة. وقد احتفل الشعراء العرب بذكر الأطلال وأجادوا في إثارة كوامن مشاعر الشوق والحنين إلى الماضي السعيد. لقد مثّل الغزل العفيف مدخلاً رمزياً لطيفاً يستثير الإعجاب والنشوة والطرب في النفوس مهما كان موضوع الحديث ومتطلبات المقام.

و تتجلى مشكلة التعلق بالماضي و تصبح أمراً لا بد من معالجته بوعي وصبر، عندما يغيب المنهج الرشيد في التعامل مع التاريخ وينقلب الحديث عن الماضي والإشادة بالأمجاد وسيلة إلهاء مقصود ومنزلقاً لصرف الأوقات والطاقات و الجهود عن التفكير الجاد في مشكلات الحاضر و المستقبل. وقد تحدث المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله في أكثر من موضع عن الإلهاء المفتعل الذي لاحظه في كثير من المواقف الجادة التي تفرض مناقشة واعية لما يجري في البلاد، فإذا بالأصوات تتعالى في اللحظات الحرجة لينجرف الحديث والإهتمام إلى التغني بالأمجاد بشكل مبتذل يخفي وراءه رغبة في التشويش والإلهاء وصرف الوقت فيما لا يجدي. لقد أصبح ذكر الأمجاد والتغني بالتاريخ طريقة للمزاودة الفجة للتشويش على كل من يتوجه إلى الإصلاح.

أما الشيخ عبد الرحمن الكواكبي صاحب – طبائع الإستبداد – فقد أدان باسلوبه الخطابي المتميز  ظاهرة التغني بأمجاد الماضي بشكل يلهي عن الإعداد والإستعداد للقيام بواجب الوقت فقال : لقد ملّ آباؤكم من إطرائهم وقد استمعت إليهم بالأمس يقولون:إنكم  إن كنتم تفخرون بنا فإنا لا نفخر بكم، لأن العمالقة لا تلد أقزاماً.

فلابد من تحرير منهج للعلاقة بالماضي والإستفادة من التاريخ والوعي للمنزلقات المشبوهة التي تصرف عن البناء وتصيع الوقت في الفخر الفارغ والتغني بالأمجاد وادعاء الفضل والشرف.

عند الرجوع إلى القرآن الكريم لنسترشد بتوجيهاته فيما يتعلق بالماضي و طبيعة العلاقة الصالحة الراشدة مع التاريخ، نجد القرآن الكريم يطرح العديد من المصطلحات التي تشكّل إطاراً جامعاً للعلاقة الراشدة مع الماضي و التاريخ، و التعامل الرشيد مع الحاضر والإعداد الواعي للمستقبل.

ذكر القرآن الكريم مصطلح ( العِبرة ) في التعليق على كثير من القصص و الأحداث، مثل قوله تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) يوسف 111، وقوله ( إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) آل عمران 13، وقوله ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) الحشر 2. والعبرة – كما يقرر المفسرون –  هي الحالة التي يتوصل الإنسان بها إلى معرفة ماليس بمشاهَد من النظر و التأمل في المشاهَد. فالأمر بالإعتبار هو تقرير لمبدإ القياس العقلي و تقرير لمبدأ ثبات السنن الكونية التي فطر الله سبحانه الخلق عليها. و تقرير أن النتائج تنبني على مقدمات وأن الأسباب تفضي إلى مسبباتها و أن من أراد أن تستقيم له النتائج كما يحب فلابد من النظر إلى استقامة الأسباب، و ذلك كما يقرر الإمام الشاطبي رحمه الله.

وذكر القرآن الكريم مصطلح ( العاقبة ) في أكثر من ثلاثين موضعاً، مثل قوله تعالى ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) آل عمران 137. والأمر بالنظر إلى العاقبة شبيه بمعنى الإعتبار. فالعاقبة هي نتيجة الأعمال ونهاية السلوك والتصرفات وما تفضي إليه من أحوال. فأحوال الهالكين من الظالمين والمفسدين  والمجرمين وما آلت إليه تصرفاتهم، فيها دروس وبيان لسنن الله في خلقه بما يعطي البصيرة ويمكّن المؤمن من رؤية المستقبل وما ستنكشف عنه الأيام.

و ذكر القرآن الكريم مصطلح ( السنة ) في أكثر من عشرة مواضع في مثل قوله تعالى ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً ) الإسراء 77,  و السنة في سياق الآيات تعني الطريقة و القانون و الوضع الذي أقام الله سبحانه عليه أمر الخلق. و هو أمر ثابت مستقر، وعلى المؤمن العاقل أن يكتشفه و يتصرف بمقتضاه. فالأمور تفضي إلى نتائجها و مقتضياتها ولا تتخلّف وهذا الإيمان يمد المؤمن بالوعي والبصيرة وإدراك مواطن التأثير، ولا يتركه يتقلب في الحيرة و توقع ما تأتي به المصادفات.

وذكر القرآن الكريم مصطلح الأسوة و القدوة، مثل قوله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر ) الأحزاب 21. و قوله تعالى ( لقد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) الممتحنة 4. وقوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) الأنعام 90. وفي كل هذه التوجيهات  القرآنية ينهض الماضي ليكون نبراس هداية و نموذج حياة فاضلة و تجربة حياة تشد إلى مثل أعلى و قدوة صالحة. وقد ذكر الشيخ القاسمي في تفسيره معنى الأسوة بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: كان في أخلاقه وأفعاله قدوة حسنة، إذ كان منها ثباته في الشدائد وهو مطلوب. وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب. ونفسه في اختلاف الأحوال ساكنة، لا يخور في شديدة ولا يستكين لعظيمة أو كبيرة. وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي، ويهدّ الصياصي. وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي. ومن صبر على هذه الشدائد في الدعاء إلى الله تعالى، وهو الرفيع الشأن، كان غيره أجدر إن كان ممن يتبع بإحسان.

و الماضي بالإضافة إلى كونه مستودع عبر ومواعظ ودروس وسنن وقوانين ونموذج حياة صالحة، فهو الذي يحدد للمسلم الهوية والمرجعية في التصور والأخلاق و القيم. فالقرآن الكريم هو الهداية للتي هي أقوم بلسان عربي مبين. وبيان الرسول ونموذج حياته القرآنية الربانية، هو التفسير العملي لبيان القرآن. و الجيل الأول من المؤمنين الذين رباهم الرسول على عينه وتوفي وهو عنهم راضٍ وشهد لهم ربهم بالخيرية والسبق والفضل، هم الإمتداد الجماعي لمعنى البيان النبوي لهداية القرآن. (عليكم يسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ )

فالماضي الذي يحدد الهوية ويرسم الوجهة و يسدد طريقة فهم الأمور وأصول معالجاتها، هو مجال الإقتداء والإتباع الذي يعصم من الشطط و الضياع. فالإتباع الذي يعني الإنضباط بمرجعية الوحي ومنهج فهمه هو مطلب أصيل في تصور المسلم. وقد خاطب القرآن الكريم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله ( قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين) الأحقاف 9. و خاطب المؤمنين عبر تاريخ الرسالات بقوله : (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) الأنبياء 92.

و قد عرض القرآن الكريم طريقة أهل الكتاب في التعامل مع الماضي و التاريخ وبين سوء صنيعهم بادعاء الشرف و الفضل بمجرد الإنتساب مع النكول عن ما يفرضه هذا الإنتماء والنسب من واجبات و مسؤوليات. ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم ) البقرة 91. ( ياأهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم و ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ) آل عمران 65. ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) آل عمران 68 . ( أم تقولون أن إبراهيم وإسماعيل إسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله ) البقرة 140. ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم، بل أنتم بشر ممن خلق ) المائدة 18. و يأتي الجواب القرآني حاسماً قاطعاً للإجابة على كل الدعاوى الفارغة للشرف و الفضل و الحظوة عند الله : .( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) البقرة 134. فلا منزلة و لا تشريف إلا بعد القيام بواجبات التكليف، ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم 39. ( وباركنا عليه وعلى اسحق، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) الصافات 113. وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن أمته ستتورط فيما وقع فيه أهل الكتاب، فيوجه خطابه لأمته ولأهل بيته بشكل خاص فيقول : يامعشر قريش اشتروا أنفسكم لاأغني عنكم من الله شيئاً.  يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً. رواه البخاري.

عندما يصبح الماضي ملهماً للهمم ودعوة للترفع على واقع الهوان و الضعف ووعياً للهوية وللقيم و المبادئ التي يمثلها الإنتماء إلى أمة التوحيد. و عندما يصبح الماضي رمزاً للمقاومة و التعالي على محاولات الإفناء. و عندما يصبح الماضي كاشفاً للأقنعة الخادعة التي تخفي وراءها الوجه الكالح للعدو القديم. عندما يحدث هذا كله وتستقيم العلاقة مع الماضي و تخرج من الفخر و الإدعاء إلى الإلهام و البناء، فعندها فقط يحقّ للنفس أن تستروح وتطرب بأحاديث الماضي والوقوف على الأطلال وقوفاً يلهم الشوق إلى المجد ويشحذ الهمة للعطاء و التضحية و البذل والتميز.

لقد كانت النهضة الأدبية و الفكرية في بلاد العالم الإسلامي والتي شهدها مطلع القرن العشرين و أنتجت لنا تراثاً أدبياً متميزاً وأبرزت أسماء كبيرة في الشعر و الأدب و الفكر، مثالاً يحتذى للعلاقة الصحيحة بالماضي استلهاماً وباعثاً على الثقة بالنفس ودافعاً للإعتزاز وطموحاً لمقاومة الغزاة المستعمرين و التمسك بالهوية والإنتماء. رحم الله -إقبال – فقد أكثر في شعره من الحديث عن العشق الذي فقدته الأمة في العلاقة مع القيم و المبادئ فكان ما كان من الضياع و الخمول و الفتور. فما كان يرجوه إقبال عندما يتحدث عن العشق يتمثل في أحد أبيات قصيدتيه شكوى وجواب شكوى حيث يقول :

والعشق فياضٌ وأمة أحمدٍ         يتحفّز التاريخ لإستقبالها

فالعلاقة الحميمية  بالمبادئ و القيم تضع الأمة من جديد لتصنع التاريخ وتخط الأمجاد. وعندها يكون المعنى الرمزي للوقوف على الأطلال وتذكر ديار الأحبة صانعي الأمجاد مطلباً ثقافياً وعنصراً ايجابياً لنفخ الروح في الأفكار الباردة وايقاد نار الشوق في القلوب التي غلب عليها الخمول.

أضف تعليق