من ثمارهم تعرفونهم

يعيش المسلمون فترة حرجة من الإضطراب الفكري تتجلى في جهود مكثفة لنزع القداسة عن الرموز الثقافية و الرموز الدينية. لقد أصبح الدين و رموزه وثقافة الأمة و ثوابتها أمراً مشاعاً يخوض فيه و يدلي بدلوه كثيرون يفاجئون الأمة بحديث عن التجديد و الخروج من الجمود والإنطلاق نحو التقدم و اللحاق بالركب ومناقشة التراث بطريقة عقلانية منطقية. و يزعم جميع هؤلاء أن هذا الذي علق بالتراث وما هو من التراث هو سبب ما تعاني منه الأمة على كافة المستويات و المجالات. يتحدثون عن القرآن و عن السنة النبوية ويطرحون للمناقشة أفكاراً جديدة تباين و تختلف عما عهده الناس واستراحوا إليه من علمائهم و مشايخهم.

و قد انتشرت الأفكار الجديدة وأصبح لها منابر و أسماء و واجهات. و لا يكاد المرء يحضر مجلساً للمسامرة مع الأصحاب و الأصدقاء إلا و يتطرق الحديث إلى ما يقوله هؤلاء المجددون و كيف نعالج أفكارهم و كيف نبني المناعة الثقافية التي تتلمس مواضع الحق و الصواب و تدرك مواضع التشويه و التخريب.

حضرت مرة مجلساً تداول فيه الحاضرون هذا الأمر و أشار بعض الحاضرين إلى مقال قرأه فيه رد على أفكار هؤلاء المجددين و قد بدأ المقال بحكم عام أن هؤلاء المجددين العصرانيين ( أي أن المرجعية والمعيار لتقرير الحق من الباطل و الصواب من الخطأ هو العصر الحاضر ) هم فاسدون و مفسدون. رد عليه بعض الحاضرين وهو ممن يعرف بين أصحابه أن له في المجددين العصرانيين هوى وله إليهم ميل، رد عليه قائلاً : إن هذا الحكم في بداية المقال و قبل أن نستمع إلى مايقوله هؤلاء المجددون هو حكم على النيات التي لا يعلمها إلا الله و أن الحكم على هؤلاء بهذه الطريقة هو بمثابة إصدار الحكم قبل انعقاد جلسة المحكمة. وتابع حديثه في التعليق على أفكار المقال.

استوقفتني هذه العبارة التي تبدو معقولة منصفة  و فكرت فيها و تساءلت : إذا كان تقليب وجهات النظرفي الأفكار الجديدة ممكناً في الأوساط العلمية الأكاديمية بل هو واجب مفهوم، فماذا يحدث لو أن كل من جالت بخاطره فكرة أو تأمل فسنحت له سانحة فجاء فيها بما يخالف المعروف المألوف؟ وماذا يحدث لو ادعى  كل أحد أن له الحق في نقد الثوابت الثقافية و الرموز الدينية وطالب جميع الناس أن يستمعوا و يفهموا و يناقشوا و يتوصلوا إلى رأي فيما سمعوه؟ إن نقل هذه المناقشات من المجال العلمي التخصصي إلى الجمهور الذين لا يدركون كثيراً من تفاصيل الأدلة ومغالطات طرحها، هو تمييع ثقافي وخلط فكري يوقع الناس في الفتنة ويدفعهم للتفكير في جدوى انتمائهم لأمة ليس لها من تراثها إلا ما يوقع في الخبال.

إن أول دعائم المناعة الثقافية لأمة الإسلام أن يعتقد المسلم اعتقاداً جازماً أن الرسالة الخاتمة للبشرية هي رسالة إنقاذ و صلاح و هداية للتي هي أقوم. فالله سبحانه و تعالى ( أنزل الكتاب على عبده و لم يجعل له عوجاً ) الكهف 1، وهو بهذا يقرر أنه أنزل القرآن كتاب هداية وجعل من صفاته وخصائصة الإستقامة و البعد عن التناقض و مخالفة مقتضى العدل و الحكمة. و في خمسة مواضع من القرآن الكريم يحذر الله سبحانه و تعالى النؤمنين أن الكفار من المشركين و أهل الكتاب يصدون عن سبيل الله و أن وسيلتهم إلى ذلك هو ابراز سبيل الله متناقضة متنافرة بعيدة عن مقتضى العدل و الحكمة. ( يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجاً )  و قد نزل القرآن الكريم في بيئة معادية متعصبة ولم يترك أعداء النبي من المشركين فرصة للتشويه و النيل من الرسالة إلا طاروا بها وأذاعوها و ذلك كما قال ربنا عز و جل ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً ) الفرقان 31. و كم يعجب المرء أن يسمع دعاوى في التناقض يزعمها مجددون محدثون خفيت على المجرمين من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه وخاصة في مواضع خبرتهم و مجال فخرهم في البيان و تصاريف أداء المعاني. فأغلب الظن أن ما يدعيه هؤلاء من التناقض هو مغالطات خفيت لبعد الناس عن تذوق العربية و البيان العربي. و كان الأحرى بمن يغار على دينه و يريد أن يرد عنه تهمة التناقض أن يرجع إلى العلماء و ما قال أرباب هذا الفن قبل المجازفة والتبرع بحل المشكلة بالبتر  والإقصاء والإنتقاء.

ومن أبسط دعائم المناعة الثقافية في الأمة وأكثرها نجاعة، حكمة قديمة سمعتها منسوبة إلى سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ( من ثمارهم تعرفونهم ).

ما أروع الحكمة عندما تدركها أبسط العقول بشكل مباشر ودون تكلف وذلك بوحي الفطرة و قراءة ما يريد أن يصل إليه المتكلمون قبل الخوض في تفاصيل الأدلة وآحاد المواقف والأفكار.

من ثمارهم تعرفونهم. فمن كان دأبه أن يبدئ و يعيد في ادعاء مثالب لتاريخ الأمة و عاداتها، و أنه يخلو من كل ما يدعو للإعتزاز و الإفتخار و أن الماضي المشرق المشرّف هو أكاذيب وأغاليط لا بد من كشفها و تسليط الضوء على عوارها. و تتساءل الفطرة الساذجة قبل الخوض في التفاصيل، هل هناك فرصة لنجاح أي أمة أو مجتمع في مواجهة تحديات الحاضروالمستقبل إذا لم تجد في هويتها واعتزازها بتاريخا ما يلهم للعطاء والبذل و تحمل الصعاب؟ و ماذا كانت طريقة المستوطنين الأوربيين لإخضاع الأفارقة إلا حرمانهم بالبطش و التنكيل من كل ما يتصل بالثقافة و التاريخ والدين واللغة، فنشأت أجيال على العبودية ما زالت أحفادها و ذراريها تتجرع مرارة و نتائج فقد الهوية و الذاكرة الجمعية إلى يومنا هذا.

من ثمارهم تعرفونهم. فمن كان المخرج عنده من أزمات الأمة و التناقضات المزعومة لثقافتها أن تعتمد الأمة نموذج الحياة الغربية وخاصة في مجالها الإجتماعي وقضايا الأسرة و المرأة. فليس من الصعب أن يدرك البسطاء فضلاً عن الأذكياء أن هذه الدعوة تغض الطرف عن النتائج الكارثية لنظام اجتماعي تدمر فيه الأسرة و يعزف الناس عن الزواج و تعزف النساء عن الإنجاب ويعاني المعمرون من العزلة القاتلة. و فضلاً عن ذلك فإن دعوات اللحاق بالنموذج الغربي تتعامى و تغض الطرف عن نماذج مشرقة لنساء الصحوة الدينية حيث دخلت المرأة المسلمة معتزة بهويتها ودينها كل مجالات التحصيل العلمي و التدريب المهني. ولكن الذين في قلوبهم زيغ يرون المظالم و الإجحاف بحقوق المرأة في بعض البييئات هو الصبغة السائدة بتعميم فج واختصار الطريق لتحقيق العدل بنموذج الحياة الغربية.

من ثمارهم تعرفونهم. فليس من الصعب أن يدرك البسطاء فضلاً عن الأذكياء أن من يشيح بوجهه و يعرض عن المساهمة في طرح ومعالجة المشكلات الحقيقية في الأمة، ولكنه يبدئ و يعيد في مناقشة قضايا وكيفيات من عالم الغيب، أنه هازل وفاسد ومفسد يصرف الطاقات و الأوقات في غير طائل. فمناقشة العلماء و الترجيح بين الأدلة لمعرفة ما يصح اعتقاده أمر مفهوم. ولكن مواجهة الجماهير الذين تطحن حياتهم ويلات الفقر و الجهل و الفساد السياسي و الظلم في توزيع الثروة بقضايا في الإعتقاد و غوامض عالم الغيب، لا يحمل إلا معنى الإلهاء والتشويش على دعاة الإصلاح. و هم في هذا يقولون بلسان حالهم: ليست مشكلتكم الفساد و المفسدون و لكن عقائد بالية وتفكير خرافي  يمنع من الإنطلاق و اللحاق. و في كل هذا اللغط يتوارى الفاسدون و المفسدون وهم سعداء بالخدمة التي يقدمها المجددون العصرانيون.

من ثمارهم تعرفونهم. فما أسهل أن يكتشف البسطاء فضلاً عن الأذكياء أن العسف و الظلم و التضييق الذي يصيب الكثير من الدعاة ومن أولتهم الأمة ثقفتها واحترامها، لا يصيب المجددين من دعاة الفتنة و هم آمنون في منابرهم و مكرمون تنهال عليهم ألقاب التجديد و التمجيد ممن ينحاز إلى المفسدين و الفاسدين و الطغاة المستبدين. من ثمارهم تعرفونهم، حكمة تدركها الفطرة لتتعرف على ما يريد المفسدون بالأمة من الضياع و الخبال. فلا حاجة بعد ذلك للخوض في التفاصيل التي يعرف العلماء مداخلها و مخارجها و مغالطاتها.

وقد كتب العلماء ودعاة الإصلاح في العقود الأخيرة الكثير وطرحوا الكثير من القضايا و أقيمت الندوات و المؤتمرات لمناقشة قضايا مهمة في تراث الأمة لدفعها في طريق العافية و الخلاص من الوهن واستعادة الإعتزاز بالهوية. فعندما يتجاوز من يريد أن يتكلم في الإصلاح و التجديد كل ما قيل و دوّن و نشر ويأبى إلا أن يعتمد مناقشة قضايا أملتها المصالح الكبرى للتغريب و سلخ الأمة عن هويتها و إخضاعها للنظام الدولي الرأسمالي الفاجر. و عند ذلك نقول كلمة واحدة : من ثمارهم تعرفونهم. إنها الفتنة لابد للوقاية منها من الإعتصام بالرأي الجماعي المدروس ممن اعتزوا بثقافة وتراث الأمة و دينها و مستقبلها. و الأمة في خير ما تمسكت بما يقول العلماء العاملون وسألت عن الشبهات من يستطيع ردها بمنهج شرعي منضبط . وتجاوزت دعاة الفتنة من المجددين المبطلين.

أضف تعليق