لاتزال مواقف التاريخ و صفحاته الماضية قادرة على مدّنا بالعبر و الدروس التي تبني المستقبل على ضوء الماضي، و تضبط العرقة بين الفكر والواقع وتحدد معالم شخصية الأمة وطريقتها في الإستجابة للمتغيرات و التطورات و الأحداث و الوقائع.
وبين يدي اليوم موقف من مواقف التاريخ و نقطة سوداء مؤلمة في تاريخ الإسلام و المسلمين ماتزال آثارها و نتائجها تملأ تفكير المسلمين و واقعهم إلى اليوم.
و قد فتحت موقعة الجمل باب الفتنة و الإختلاف، فقد كانت أول صدام مسلح بين المسلمين. و قد كثر الكلام عن تحديد المخطئ و المصيب، و كثر الكلام عن تبرير موقف كل فريق بما ينسجم مع عدالتهم و فضلهم وسبقهم في الإسلام. و رغم كل ما قيل فإن ما يهم ذكره من الناحية العملية في حياة كل مسلم، و الدروس المستفادة من هذا الحادث الأليم ما تزال بحاجة إلى من يستخرجها ويبرزها لتكون دليل عمل ومنهج تفكير. وقد أصبح شائعاً في طريقة تفكير المسلمين الإبتعاد عن الخوض في النقاط السوداء في تاريخ الأمة خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى الخوض فيما لا يعني من جرح أناس أو تخطئتهم أو الحكم لهم أو عليهم. ولكن هناك فرق كبير بين من يدرس و يبحث ليستنتج العبر و يستخلص الدروس التي تمنع تكرر المأساة، وبين من لا يعنيه إلا أن يكون طرفاً في النزاع يحيي منه ما اندثر و يحرك منه ما سكن و كأن الخلاف ما زال يعيشه الناس الساعة، و لا يتصور إلا أن ينقسم الناس إلى مؤيد أو معارض لشخص أو فئة بعينها.
نقل محقق كتاب ” العواصم من القواصم ” للقاضي أبو بكر ابن العربي، عند الحديث عن موقعة الجمل من أقوال أئمة المؤرخين الطبري وابن كثير ما يلفت النظر إلى حقيقة مهمة لا بد من الوقوف عندها وتأملها. “كان الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي قد قام بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، فاستجاب أصحاب الجمل وأذعن علي لذلك، و بعث علي إلى طلحة و الزبير يقول: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننظر في هذا الأمر. فأرسلا إليه أنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس. فاطمأنت النفوس و سكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين. فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، و بعثوا محمد بن طلحة السجاد إلى علي، و عولوا جميعاً على الصلح وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. و بات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة، و جعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى أجمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر فغدوا مع الغلس و ما يشعر بهم جيرانهم وانسلوا إلى ذلك الأمر انسلالاً، و هكذا أنشبوا الحرب بين علي واخوته الزبير وطلحة. فظن أصحاب الجمل أن علياً غدر بهم وظن علي أن اخوانه غدروا به، وكل منهم أتقى لله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف وقد بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن”اه.
وهنا لا بد من وقفة، لا لتحديد المخطئ أو المصيب في هذا الخلاف بل لإلقاء بعض الضوء على سبب ما وقع، ليكون ذلك درساً و عبرة لضبط الأمور و الإهتداء إلى طريقة تؤدي إلى منع الخلاف بين المؤمنين أو حصره و منع تفاقمه أو امتداده. لقد اتفق الطرفان على الصلح و باتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وقد كان من الواضح أن هذا الصلح سيشكّل خطراً على فئة حركت الفتنة واختلطت بالصفوف. فما هي الترتيبات و التدابير التي اتخذها من رضي بالصلح من الفريقين حتى تسير خطة الصلح إلى نهايتها لا يفسدها محترف فتنة وإفساد؟ والجواب المؤسف : لا شيء. ومن هذه النقطة نستطيع أن نستجلي الدرس ونستخلص العبرة.
لقد كان واضحاً أن الصحابة و هم خير القرون و أفضل الأمة و أشرف الخلق و فيهم المبشرون بالجنة، و فيهم المهاجرون و السابقون و المجاهدون، لقد كان واضحاً أن كل تلك الميزات لم تنج المسلمين و لم تنقذهم من شرور دعاة الفتنة عند غياب الضوابط الإدارية والتنظيمية التي تضع حداً لسوء التفاهم واختلاط الأمور. فالإخلاص و صدق النيات و إرادة الخير و كل ما يتصوره المرء من ميزات خير وفضل، لا تكفي ما لم تستند إلى قاعدة إدارية لا تدع مجالاً لسوء فهم أو سوء تأويل، ولا تترك ثغرة ينفذ منها الذين لا يألون المؤمنين خبالاً و أذى.
وفي القرآن الكريم وفي أطول آية من آياته، آية المداينة، أمر للمؤمنين بكتابة الدين و توثيقه و الإشهاد عليه ولو كان صغيراً. وجاء في هذه الآية من التفصيلات ما يعجب المرء معه و يتساءل عن سبب هذه الحرص على الضبط و التوثيق. و الجواب حاضر في الآية – ذلكم أقسط عند الله و أقوم للشهادة و أدنى ألا ترتابوا – فالعدل و القسط محبوبان لله تعالى و يحب من عباده أن يلتزموا بما يوصلهم إليهما. فـقطع دابر الخلاف و إمكانية التنازع أمر لا بد منه لسلامة الصدور و دوام الأخوّة. وكل ذلك ممكن بالتوثيق و الضبط كما أمر الله به في أمر مادي دنيوي فيه تحقيق مصلحة الناس و استقرار في استقامة أمور معاشهم، فمن باب أولى أن يكون الضبط و التوثيق أشد ضرورة وآكد عندما يتعلق الأمر بأمور المسلمين العامة ومصالهم الجماعية الكبرى.
ورغم وضوح هذا الأمر في أصول الشريعة و فروعها بما لا يدع مجالاً للشك، فقد انتشرت بين المسلمين فكرة عجيبة و لا يدرون أنها كانت السبب المباشر للشرخ الكبير الذي حدث بين المسلمين في تاريخهم الأول في موقعة الجمل. لقد أصبح الدليل على حسن الظن و الثقة و سلامة الصدر إغفال الضبط و التوثيق وإهمالها عمداً أو حياءً خوفاً أن يكون في السؤال عن الضبط والتوثيق غمز بالثقة وتعريض بسلامة الصدر. والنتيجة النهائية لإهمال فن الضبط و التوثيق ماثل في أمة لا تحسن فنّ التعاون و التنسيق على أي مستوى وفي أي مجال، و ماثل في أمة غلبت عليها الفردية القاتلة. فقد أحدث إهمال فن الضبط و التوثيق شروخاً عميقة في عقلية الناس وضمائرهم دفعتهم إلى سوء الظن ومحاولة استيعاب الأمور في قبضة واحدة لا تعرف التفويض أو التوكيل في إطار مدروس متفق عليه. و قد يمثل هذا التوجه المريض في ثقافة الأمة أبيات من لامية العجم المشهورة :
أعدى عدوك أدنى من وثقت به فحاذر الناس و اصحبهم على دَخَلِ
فإنما رجــل الدنـيــا و واحــدها مـن لا يعـوّل في الدنــيا على رجـل
لذلك نجد الكثيرين يتخوفون من الدخول في شراكة أو عمل تجاري مع أقرب الأصدقاء أو الأهل لأن الفكرة الشائعة أن هذا العمل سيودي بالصداقة و يهدم المودة بين الأقارب. و السبب معروف يكمن في إهمال الضبط و التوثيق حياءً واعتماداً على حسن ظنّ غائم لا تنضبط معه واجبات ولا تتحدد مسؤوليات، فيحل سوء التفاهم مكان الثقة وتعصف خيبة الأمل بأواصر المحبة.
وفي خضم الأجواء المأساوية على الصعيد الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، والتي تعاني منها الأمة، والتي تعكس النتائج التي لا تتخلف لإهمال فن الضبط و التوثيق و التنسيق، تبرز الأهمية البالغة للدرس التاريخي للأمة في موقعة الجمل حيث أصابت الفتنة خير الناس بعد الرسل واكتوى بنارها المبشرون بالجنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينجهم إخلاصهم وصدق نياتهم عندما غابت الضوابط الإدارية والتنظيمية، فاندس من خلال هذه الثغرة أعداء الأمة وأفسدوا ذات بينها بالخديعة و الكذب.
و في عالم اليوم، نما علم الضبط و التوثيق و الإدارة بشكل كبير بحيث غدا هذا الفن جزءاً أساسياً في كل المعاملات المالية و التجارية و كل العلاقات الرسمية و الدولية في السلم و الحرب و السياسة و الإقتصاد. ولذلك يبدو واضحاً أن أن نمو فن الضبط و التوثيق في بيئة ما ينعكس على استقرار العلاقات الإقتصادية و السياسية عند أهل تلك البيئة فلا تتعرض علاقاتهم لهزات عنيفة تودي بما اتفقوا عليه من مصالح مشتركة. محتى عند حدوث خلاف في وجهات النظر في أي قضية و تتوتر العلاقات فلا يتعدى التوتر نقطة الخلاف أو يتجاوز مجال الخصام لتبقى جميع مجالات التفاهم و التعاون على حالها لا تتأثر ولا تتغير.