الكفر موقف جحود عقلي وعناد نفسي يستبعد الحجة والبرهان والمناقشة العقلية ويتمسك أو يرفض الآراء والأفكار والمواقف دون تمحيص. ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ، ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ) ، ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) ، ( و مثل الذين كفروا كمل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً و نداءً ) ، ( إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مقتدون ).
يعتبر موقف الملحدين من قضية الخلق و الإعتراف بوجود الخالق مثالاً واضحاً للجحود و العناد واستبعاد الحجة و البرهان إذا جاءت بتفسير غير مادي. فالتفسير المادي فقط، هو ما يعتبرونه المنهج العلمي المقبول.
الإيمان هو التسليم العقلي للحجة والبرهان مع الرضى والإطمئنان القلبي للرؤية الكونية التوحيدية ومقتضياتها الشعورية و العملية، حيث يحتل وجود الله تعالى مركز الخبرة الدينية فلا يرى المؤمن في الكون إلا أثر تجليات الله سبحانه بأحد أسمائه الحسنى أو جملة منها، فيستجيب ويبرز سلوكاً ينسجم مع فهم آداب تلك التجليات ولوازمها.
مناقشة قضايا الإعتقاد يجب أن تتم في إطار إحترام الدليل والبرهان والحجة، أو المتاركة و الإعراض. ( لكم دينكم ولي دين ). أما لغة السباب و الشتائم و حمية العوام و الطغام فلا بد من ضبطها و محاصرتها لتحقيق السلم الأهلي و التعايش السلمي: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ).
الوصف بالكفر للمخالفين في الإعتقاد ليس محصوراً بالمسلمين، بل هو وصف للمخالفين عند جميع أهل الأديان و العقائد. وكمثال على ذلك، من لم يؤمن بعيسى ابناً لله أو أنه هو الله أو أنه ثالث ثلاثة فهو عند النصارى كافر لا يستحق النجاة و الخلاص. فلا بد من التنبيه إلى هذه المغالطة الفجّة الرامية إلى تمييع جدية الإنتماء للدين. وتصوير المسلمين متعصبون عدوانيون.
يحاول كثيرون ترويج الفكرة القائلة أن السلم الأهلي لا يتحقق في المجتمع إلا بطرح مصطلح الكفر جملة وتفصيلاً وفتح مصطلح الإيمان والمؤمنين ليشمل أتباع كل عقيدة و مذهب.
الوصف بالكفر يثير حفيظة المخالفين، لأنهم يعطونه بعداً شخصياً و كأن المؤمن هو الذي يقرر مصير المنكرين إلى الجحيم، وأن قضية الحكم على الناس يجب أن تترك لله في الآخرة.
لا بد من الإنتباه والتنبيه أن هذه المشاغبة باتهام المؤمنين بأنهم يتجاوزون حدودهم و ينصبون أنفسهم حكاماً على ضمائر الناس في أمر يجب أن يترك لله وحده، أن النتيجة العملية هي تضييق موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا معروف أحق بالإعلان و التأكيد من التوحيد كرؤية كونية شاملة، ولا منكر أحق بالإنكار والتحذير من الشرك وإعطاء ما يجب للخالق العظيم للشركاء من البشر والأحبار والرهبان.
في القرآن الكريم تأكيد على رفع البعد الشخصي و التأكيد على مناقشة قضية الكفر و الإيمان أو المعروف والمنكر، في إطار معرفي والتزام أخلاقي يستخدم الحجة و الدليل و البرهان وكل وسائل الإقناع العقلي والتعاطف القلبي. ( ليس لك من الأمر شيء، إما يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) ، ( قل لا تسألون عما أجرمنا و لا نسأل عما تعملون ) ، ( و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين )
الكفر موقف عقلي وعملي يختاره الإنسان بالتمكين الإلهي من حرية الإختيار.
وجود الكفر و الكافرين هو قضاء كوني شاء الله سبحانه أن يجعله مدار الإبتلاء لإستحقاق الجزاء. فلا مطمع في إزالة ما حكم الله بوجوده. ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )
الجزاء على الكفر أو الإيمان يتولاة الله سبحانه في الآخرة بعلمه و عدله.
لا جزاء في الدنيا على الكفر إلا أن يتورط الكافرون بالعدوان و الفتنة و الأذى للمؤمنين ، فيجب أن يمنعوا من التمكن من ذلك. ويبقى باب الإختيار للكفر أو الإيمان مفتوحاً بلا إكراه، ليتحقق العدل الإلهي بالتمكين من الإختيار لإستحقاق الجزاء. ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )،( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ).
هناك أحكام إجرائية مثل الإرث والزواج والذبيحة تتعلق بمن اختار الكفر.
في التراث الغربي النصراني يعني وصف أي شخص بالكفر الإهدار المطلق لإنسانيته و حقه في الوجود و استباحة قتله و التنكيل به لمجرد المخالفة. فالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود بعد سقوط غرناطة شاهد على الوحشية الهمجية التي تميز التاريخ النصراني في التعامل مع المخالفين.
ذاقت أوروبا ويلات الحروب الدينية التي كان المحرك لها التراشق بوصف الكفر والهرطقة. فأهدروا انسانية المخالف وحقه في الوجود الآمن لمجرد الإختلاف في طريقة تقرير العقيدة الدينية.
يتعامل الغرب مع مصطلح الكفر بنوع من اسقاط تاريخهم وتصرفاتهم على الإسلام و المسلمين. وهم يحاولون منع المسلمين من استعمال وصف الكفر للمخالفين لما يستلزمه هذا الوصف في الضمير الغربي والتاريخ النصراني من هدر الإنسانية وتضييق فرص التعايش السلمي وادعاء تمثيل سلطة الإله في الحكم على الناس باستحقاق المخالفين للتنكيل في الدنيا واستباحة حقوقهم و إنسانيتهم.
ليس في القرآن هدر لإنسانية المخالف أو الحكم باستحقاقه القتل لمجرد كفره و بطلان ما يتمسك به من أفكار. وقد وصف القرآن مواقف الانكار والعناد الذي يمنع الإنسان من استعمال وسائل المعرفة، بأنها انتكاس عن الإنسانية التي تميز الإنسان عن الأنعام، وذلك لتأسيس احترام العقل والتفكير والحجة و البرهان.
الخطاب القرآني – يا أيها الناس و يابني آدم – يؤسس لقاعدة من المشترك الإنساني يعيش البشر معها بسلام و تعارف و تواصل و استباق للخيرات.
التعددية العرقية والدينية في مجتمعات المسلمين حقيقة تاريخية تعكس تصور المسلمين ومقدرتهم على التعايش السلمي الإنساني.
التصفية العرقية و الدينية هو ما يميز المجتمعات الغربية في تاريخ صراعاتها الطويل، و هو الأمر الذي نتج عنه تمايز عرقي وديني واضح في مجتمعات أوروبا جرت على أطرافه حروب و نزاعات عبر التاريخ.
و جود المخالفين والمنكرين أمر واقع يتعامل معه المسلم بالبيان و البرهان و تأصيل حياة اجتماعية لحمتها قيم الإسلام من التعاون و التكافل و التناصر و التناصح و الإحسان و الإتقان، بشكل يعزز الثقة بالإنتماء إلى أمة الإسلام.
عندما ينحاز المخالفون والمنكرون والمرتدون لعدو خارجي ويخرجون على الولاء الواجب للمنظومة الإجتماعية التي تضمن السلام الأهلي، فهم متورطون في جريمة سياسية تقدر بقدرها ويتم التعامل معها بمنطق التعامل بالمثل، مع رفع الإكراه في قضايا الإيمان و الإعتقاد.
لا بد من التفكير المتوازن بين حق الفرد في الإختيار الحر لعقيدته و تصرفانه، و بين حق الجماعة في الدفاع عن نفسها و حماية ثقافتها وتحقيق السلم الأهلي.
يترك المسلم قضية الحكم على آحاد الناس باستحقاق العقوبة في جهنم لرب الناس الذي يعلم السر و أخفى و يعلم من صرفه عن الإيمان غياب الحجة المقنعة أو الكبر و الجحود. (و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). و لا بد من البيان لما لا يرضاه الله لمخالفته للمنطق والحق و البرهان، وبيان ما تهدد به سبحانه المنكرين من الجزاء و العقاب.
يحرص الملأ ( منظومة النفوذ والسلطة ) في مجتمعات غير المسلمين على ابراز و تصوير المسلمين عبر تاريخهم الطويل بشكل مشوه غير انساني و غير عقلاني، و ذلك لتبرير العدوان والهجوم الشرس على بلاد المسلمين واستباحة ثرواتهم و تدمير ثقافتهم. و في هذا السياق يصبح من الضروري و الواجب على المسلمين التعامل مع غير المسلمين بشكل يبرز الوجه الإنساني السمح للثقافة الإسلامية و البعد عن ثقافة الإستقطاب الذي يتجاهل سياسات المستكبرين و يؤكد مخاوف عوام غير المسلمين من عدم قدرة المسلم على العيش بسلام و احترام متبادل للتوجهات الأخلاقية الإنسانية في ثقافات الشعوب.