تــجــربــة رائــــدة

عندما كنت أعمل في نيجيريا جاءني صديقي المهندس عثمان مستشيراً مستنصحاً، فقد عينته الحكومة النيجيرية الفدرالية رئيساً لمجموعة إنجاز وكلفته بعمل ما يمكن أن يساعد الناس في ولاية ” غونغولا ”  في أزمتهم التي يعانون منها نتيجة الجفاف و انحباس الأمطار . و قد خصصت الحكومة لهذا الأمر مبلغ مليون ” نيرة ” و فوضت المهندس عثمان بالتصرف دون إعطاء أي فكرة أو توجيه .

شعرت أن المهندس عثمان مرتبك و مضطرب لا يدري ماذا يفعل. فقلت دعنا نفكر سوياً فيما يمكن أن تـفعله , قل لي بماذا تفكر ؟ قال متردداً : يمكن أن نفكر بإنشاء سد كبيرعلى مجرى أحد الوديان و نبني البوابات و ما يتبع ذلك من المنشآت حتى تتجمع المياه عند نزول المطر . قلت : يجب أن نفكر بطريقة أكثر واقعية , تذكر أن المبلغ المخصص هو مليون نيرة فقط  ( ربع مليون دولار ) و هو لا يكفي لعمل السبر الجيولوجي و الدراسة الفنية لتصميم السد , فلو سلكنا هذا الطريق لكان كل ما فعلناه هو إضافة إضبارة من المخططات و الرسومات و المواصفات إلى رفوف الوزارة و لن يرى هذا المشروع النور ضمن المبلغ المتوفر , و حاجة  الناس ماسّـة و لا تحتمل الإنتظار . نظر إلي و قد ازدادت حيرته و قال فماذا يمكن أن نفعل ؟

كنت في تلك الفترة من وجودي في نيجيريا مهتماً بقراءة  أدبيات التكنولوجيا المناسبة ” Appropriate Technology  ” و أدركت أن الله قد ساق إلي هذه الفرصة لأضع ما كنت أقرأه موضع التطبيق  . 

قلت : أرى أن تستبعد فكرة بناء سد ضخم فهذا غير ممكن و أرى أن نفكر ببناء سدود سطحية قليلة الإرتفاع قليلة التكاليف لا تحتاج إلى دراسات جيولوجية و كل ما تحتاجه هو المسح الطبوغرافي للمناطق الصالحة لبناء السد  و لتحديد أماكن تصريف المياه بعد امتلاء بحيرة السد بمياه الأمطار . و أرى كذلك أن تستبعد فكرة الإستعانة بالمتعهدين و المقاولين فهم سيستهلكون المال و سينجزون القليل . و أرى أن تدير العمل بنفسك فهناك الكثير من الإمكانيات يمكنك استخدامها . التفت إلي المهندس عثمان و قال : من أين سنأتي بالآلات و الجهاز الفني الذي سيقوم بالعمل ؟  لقد فاجأته المهمة التي ألقيت على عاتقه  و لم يكن يدري كيف يخطط للعمل . قلت دعنا نضع الخطوط العريضة لتنظيم هذا العمل ثم تتدبر أنت الأمر بما تعلم من أوضاع البلد فأهل مكة أدرى بشعابها . يجب أن نتذكر دائماً أن ما تقوم به هو مشروع مؤقت سينتهي بنفاد المال المتوفر فإياك أن تتورط بشراء آلات و معدات تستهلك المال و ستكون عبئاً عليك بعد انتهاء العمل . قال و من أين نأتي بالآلات ؟ قلت : هل تعرف الأرض الواسعة جانب الطريق المؤدي إلى مدينة ” يولا ” و التي تحوي ما لا يحصى من الآلات المعطلة لوزارة الزراعة ؟ و هل تعلم موقع آليات وزارة العمل في المدينة ففيه الكثير من الآلات و المعدات متروكة للصدأ و التآكل . قال و كيف لي أن أستخدم هذه الآلات ؟ قلت الأمر سهل . تزور المدير المسؤول في هذه المواقع و تضرب بسيف الحكومة الفيدرالية و تعدهم أن تدرج أسماءهم في سجل الجهاز الفني للمشروع , و تطمعهم بتعويض شهري بسيط لقاء تعاونهم و تسهيلاتهم و ستجد بعدها بشيء من الضغط من الحكومة الفيدرالية التي خصصت المبلغ أن أولئك الكسالى من الفنيين و السائقين و العمال و الإداريين في وزارة العمل و وزارة الزراعة هم الجهاز الفني الذي يقوم بالعمل و لا يرهق ميزانية المشروع  إلا بالقليل من التعويضات و المكافآت التشجيعية  أما رواتبهم فسيأخذونها من وزاراتهم , و يمكن استخدام شيء من المال لإصلاح الآلات المعطلة  وشراء بعض قطع التبديل الضرورية للتشغيل و الصيانة .

انفرجت أسارير صاحبي المهندس عثمان و زالت علامات التوتر و القلق عن وجهه فقد اتضحت الرؤية و امتلك خطة للعمل . ثم قلت لصاحبي : أرجو أن ترتب زيارة لبعض البوادي شرقي المدينة حيث أشرح لك على الطبيعة فكرة العمل و ترتيبه كما أفهمها و لك أن تنطلق بعد ذلك دون معوقات إن شاء الله . و بعد بضعة أيام ذهبت بصحبته إلى بعض البوادي القريبة من مدينة ” يولا ” و هناك استطعت أن أتأكد أنه قد فهم الفكرة و هضمها و لم يبق إلا العمل و التنفيذ .

مضت مدة طويلة و لم أر فيها صديقي المهندس عثمان فقد انتقل عملي إلى مدينة أخرى , ثم سنحت فرصة لزيارة مدينة يولا مرة أخرى فجاءني المهندس عثمان  زائراً  و مسلّماً , فسألته عن مشروع السدود و ماذا فعل فيه فقال و على وجهه ابتسامة النجاح و الظفر : أظن أنك لن تصدق ما سأقوله لك . قلت خيراً إن شاء الله ماذا حصل ؟ قال لقد نجحت خطتك . لقد انتهيت من بناء ثلاثين سداً و لم أصرف حتى الآن إلا سبعمائة ألف نيرة . قلت ما شاء الله و ماذا بعد ؟ قال لقد استقر حول بحيرات هذه السدود كثير من الناس و بقي الماء متوفراً وراء هذه السدود حتى جاء المطر في الموسم التالي ,   و قد قدرت الحكومة الفيدرالية عدد من استقر من البدو و الرعاة بمليون انسان و أصبح من الممكن أن تقدم لهم الخدمات الطبية و التعليم و أن تجمع منهم الضرائب . لقد كانت خطة ناجحة بكل المقاييس و الناس و الحكومة سعداء بهذا الإنجاز .

قلت مازحاً : و ماذا عن تعويضات المهندس الإستشاري الذي وضع الخطة ؟ قال أرجو أن تدخر ثواب ذلك عند الله . فقلت و نعم بالله .

لقد كان المهندس عثمان مثال القوي الأمين الذي استطاع أن يوظف معرفته ببلده و أهلها و مواردها لينفذ خطة بناء السدود بكلفة خيالية لا تصدق . و لكن توظيف الموارد  المحلية و تفعيلها مع الأمانة و الإخلاص يفعل الأعاجيب و يأتي بالبركة و النفع و ينقذ الناس من وهدة العطالة و يمدهم بالثقة لبناء بلدهم و معالجة أدوائها .

لقد كانت تجربة بناء السدود في ولاية ” غونغولا ” النيجيرية مثالاً عملياً لما تدعو إليه أدبيات Appropriate Technology “   ”   التكنولوجيا المناسبة . إنها دعوة لتفعيل الإنسان في بيئته و الإنطلاق من المتوفر الموجود من الأساسيات الفنية و العلمية  و المادية , و تجنب استيراد الحلول للمشكلات قبل التأكد أن البيئة الفنية و العلمية و الخبرات العملية و المواد المتوفرة قادرة على التعامل مع الأمور الفنية التي تستدعيها الحلول المطروحة . لقد صرفت نيجيريا بعد الإستقلال مئات الملايين من الدولارات لشراء الآلات الزراعية فيما أسموه بالثورة الخضراء دون أي ترتيب أو تدريب لإستعمال هذه الآلات أو تنظيم استخدامها , فكانت النتيجة أكوام من الآلات المعطلة تصادف المسافرين عبر البلاد في مواقع كبيرة كثيرة تدعو للدهشة و الإستغراب .

التكنولوجيا المناسبة باختصار هي مساعدة الفقراء ليساعدوا أنفسهم و الأخذ بيدهم لبناء الثقة بأنفسهم بعيداً عن الوصاية و الإستغلال . إنها البدايات الصغيرة البسيطة من الطرق و الوسائل التي تبني الإنسان و تأخذ بيده خطوة خطوة على طريق الكفاية و الفاعلية .

أضف تعليق