في إطار البحث عن طريقة راشدة لفهم الدين و الوصول إلى الرشد في التدين و الإلتزام بالدين، يمثل علم مقاصد الشريعة التوجه العملي المفهوم للخروج من مشكلات الحرفية و الشكلية و الغلو و التنطع، فهو توجه لفهم الشريعة و التلقي عن القرآن و السنةٌ يؤكد على تعليل الشريعة و غائية الأوامر و نفي العبث عن الشارع الحكيم. فقد شرع الله سبحانه و تعالى الشرائع وأمر و نهى لحكمٍ و معانٍ و علل لا تتعلق بذاته سبحانه – فهو الغني الحميد – بل تتعلق بالإنسان و مصالحه ليعيش الحياة الطيبة بعيداً عن الضنك و الشقاوة و العسر و الظلم و الفساد.
و قد بين القرآن الكريم منهج التعليل و بين المقاصد و الحكم في كثير من أمور العبادات و المعاملات. لقد كان يكفي أن يتوجه الله سبحانه إلى عباده المؤمنين و يقول لهم ” كتب عليكم الصيام ” ليصبح الصوم أمراً لازماً في أعناقهم، و لكن الله سبحانه تودد إلى عباده و رحم ضعفهم و علم ما تتشوف إليه عقولهم عند ورود الأمر، فبين الحكمة و المقصد و ما يجب عليهم أن يتطلعوا إليه عند أداء هذه العبادة فقال ” لعلكم تتقون “. و كذلك بين الله سبحانه في أطول آية في القرآن ما يجب على المؤمنين أن يفعلوه في مداولاتهم وتجاراتهم من كتابة و إشهاد ثم بين مقاصد هذه التفصيلات العملية فقال ” ذلكم أقسط عند الله و أقوم للشهادة و أدنى ألا ترتابوا “. فتحقيق العدل و القسط بضبط وسائل التوثيق و الوضوح و رفع أسباب الريبة و سوءالظن بين المؤمنين هي مقاصد يتوجه المؤمنون لتحقيق معانيها و غاياتها في كل مداولاتهم حيث لاتكفي صور المعاملات و لاتغني الأشكال شيئاً. وفي هذين المثالين كانت المقاصد نصوصاً صريحة تؤصل منهجية النظر في التعليل و اعتبار المقاصد حتى يكون المؤمنون في تعاملهم مع الهدي الإلهي قادرين على تلمس مواطن التزكية لحياتهم و يقبلون على كتاب الله سامعين مبصرين كمن قال الله فيهم ” والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً و عمياناً “. فالخطاب الديني الذي يختزل الشريعة إلى مجموعة من الأحكام و يعرض عن بيان موارد التزكية فيها هو خطاب قاصر لا يستحضر أهم خصائص الخطاب القرآني و يدفع بالمؤمنين إلى الحرفية و الشكلية.
و علم مقاصد الشريعة هو توجه يستحضر خصائص الشريعة كما وصفها القرآن الكريم. فالقارئ للقرآن الكريم يجد وصفاً إجمالياً للشريعة التي تنزلت على محمد صلى الله عليه و سلم. فقوله تعالى ” يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر ” و قوله تعالى ” يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفاً ” و قوله تعالى ” ما جعل عليكم في الدين من حرج ” و قوله تعالى ” و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” و قوله تعالى في وصف النبي الأمي صلى الله عليه و سلم ” يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم “، بالإضافة إلى عشرات مواضع الإستثناء من الأحكام والتكاليف لوجود المشقة أو السفر أوالمرض أو الإضطرار، كل ذلك يدل على خصائص عامة للشريعة لا بد من استحضارها عند الإلتزام بالتكاليف. و علم مقاصد الشريعة هو العلم الذي يتحرى مواطن التزكية في الخطاب ليمتلك المؤمن البصيرة التي تعصمه من انتهاك الأحكام الكلية و الأوصاف العامة للشريعة عند التدين بصور و أشكال آحاد التكاليف. و علم مقاصد الشريعة هو توجه لا يتجاهل أهم خصائص الشريعة المتمثلة في العالمية و الخاتمية. فقوله تعالى ” ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين ” و قوله تعالى ” و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً و نذيراً “، تدل على أن الشريعة – كما يقرر الإمام ابن عاشور – مبنية على معانٍ معقولة تمثل المشترك الإنساني الذي لا يختلف باختلاف الأمم و العوائد. فلا تنحصر الشريعة في أعراف قوم أو زمان أو بيئة و ذلك بتحري مواطن التزكية التي تناسب البيئات المحتلفة و الأعراف المتباينة ضمن المرونة و التنوع الذي تسمح به النصوص.
و علم مقاصد الشريعة هو توجه يؤكد أن الشريعة – الرحمة المهداة للبشرية – ليست مجموعة من الأحكام الجامدة الصارمة في مجالات مخصوصة من حياة الإنسان، بل هي قيم و مبادئ تزكو بها و تستقيم حياة المجتمعات البشرية على اختلاف أوضاعها. و هذه القيم و المبادئ تتعلق بالرؤية الكونية – الدين – و الحياة و النظام الإجتماعي و النشاط العقلي و الثروة و المال.
فالشريعة تقدم مبدأ التوحيد رؤية كونية شاملة حيث يكون الخالق العظيم هو السلطة العليا و صاحب الخلق و الأمر. فمقياس العدل و المساواة و الحرية و جميع الحقوق لا يقررها الإنسان بجهله و تحيزاته وطغيانه، بل يقررها للناس جميعاً إله متعالٍ مفارق و كل الخلق عبيده، أكرمُهم عنده أكثرهم ضبطاً لرعونات النفس وأكثرهم مساهمة في نشر الخير بين الخلق. و عندما يستقر مبدأ التوحيد يصبح الإنسان خليفة الله لا يملك الكون بل يستخدمه و يسخره و يرتفق طاقاته و موجوداته. و عندها تزكو الحياة بعيداً عن طغيان العصبيات و الأنانيات و الإستئثار و الإستكبار.
و عندما يستقر مبدأ التوحيد تصبح الحياة أمانة لا بد من رعاية متطلباتها من الغذاء و المسكن واللباس و غيرها من الخدمات و المرافق. فالخالق العظيم هو واهب الحياة للإنسان والحيوان و النبات، فليس لأحد أن يتسلط لإزهاق الحياة و إفسادها إلا بما تسمح به قوانين التسخير و الإرتفاق من إذن إلهي أو مصالح راجحة. و بهذا يصبح الإنسان مكرّماً محترماً بتكريم خالقه و يصبح التوجه بالحرمان من الحقوق أو بالإهانة و الإحتقار للإنسان لأي سبب انتهاكاً لإرادة الله في تكريم خليفته في الأرض.
و عندما يستقر مبدأ التوحيد يدرك البشر أن الخالق العظيم اراد التنوع الإنساني- من ذكر و أنثى – نعمة و منًة و مظهراً للطفه و حكمته لإستمرار الحياة. و تنضبط العلاقة بين الرجل و المرأة لتنحصر في تشكيل أسرة يكون فيها السكن و الإطمئنان، و تجمعها مشاعر المودة و الرحمة لتلبي الرغبة في الأولاد و الذرية في ظل علاقات النسب و الصهر. فليس هناك استقرار للمجتمعات الإنسانية إلا بحماية نظام الأسرة من عدوان أصحاب الأهواء و النزوات.
و عندما يستقر مبدأ التوحيد يدرك البشر أن الله سبحانه هو الذي ميز الإنسان بالعلم و القدرة على التفكير و الربط و الإستنتاج، و زوده بمسلمات فطرية عقلية بدهية و بالقدرة على اكتشاف السنن و القوانين التي يتمكن بها من التسخير و الإرتفاق. و حتى لا يتجاوز الإنسان قانون السببية و يقع في الخرافة و الشك و الأوهام حرمت الشريعة ما يعطل قانون السببية في العقل من المسكرات و المخدرات والكذب و السحر و التطير و العرافة و التنجيم وغيرها من فنون الإستحواذ على ضعاف العقول. و كذلك وجهت الشريعة المؤمنين لطلب العلم و اجتناب الظنون و طلب الدليل و التحرج من القول دون دليل.
و عندما يستقر مبدأ التوحيد يدرك البشر أن الخالق العظيم هو مالك الملك، فالبشر لا يملكون بل هم وكلاء مستخلفون لعمارة الأرض و استثمار موجواتها و طاقاتها و ثرواتها، فشرع لهم ما تستقر به الحياة و تنمو به الثروات من تحريم للظلم و الغش و الغبن و السرقة و التحايل، و تشجيع للعمل لتأمين الكفايات و سد الحاجات.
إن هذه القيم و المبادئ التي تتعلق بالرؤية الكونية التوحيدية و مقتضياتها لاستقرار الحياة و النظام الإجتماعي و النشاط العقلي و نشاطات الثروة و المال، لا بد من مراعاتها و تلمس آثار تزكيتها للحياة، فهي تمثل المعيار لفهم الدين و صحة التدين. و علم مقاصد الشريعة هو التوجه الذي يمد المؤمنين بالبصيرة العملية لفهم الهداية الربانية كما أرادها الله سبحانه تزكيةً و حياةً طيبة بعيدة عن الفساد و العسر و الحرج.
إن الإهتمام بمقاصد الشريعة و الوعي بها و فهمها و تمثلها من كل المكلفين، هو دعوة مماثلة لما فعله الإمام الغزالي عندما كتب ” إحياء علوم الدين ” ليخرج جماهير المتدينين من الحرفية و الشكلية، و كذلك هو متابعة للإمام الشاطبي الذي حذّر أن المكلف إذا نوى بفعله صورة العمل المشروع غير ما أراد الشارع من تشريع ذلك الفعل فعمله باطل. فلا بد من إدراك التكاليف بمقاصدها و مراميها و موارد التزكية فيها لكل المكلفين. فإذا تخلفت هذه الطريقة في تعليم الدين و تفهيم الشريعة انتشرت الحيل و تمسك المحتالون على شرع الله بالأشكال و الصور و الإجرائيات و أعرضوا عن حقائق المعاني و المصالح و كانت أعمالهم بذلك أقرب إلى اللغو و البطلان.
و هنا لا بد من توضيح مسألة مهمة، فبعض المشتغلين بالتراث يظن أن توجه مقاصد الشريعة عندما يخرج عن دائرة المشتغلين بالفتوى من الفقهاء يصبح دعوة لفتح الباب للقول في الشريعة لكل أحد و الجرأة على الفتوى لأية مناسبة و التحلل من الأحكام بطريقة مزاجية. و لابد من التأكيد أن هناك في الأمة من يستخدم المقاصد للتبرير و التزوير و التحلل من الإلتزام بمحكمات الشريعة، إذ لم يخل جيل من منافقين و دعاة للمبادئ و الأفكار الهجينة ممن يريدون ليّ النصوص وهدم حرمة الشريعة. و لا يصعب على الناقد البصير كشفهم – من ثمارهم تعرفونهم –