مازال موضوع التجديد الديني من الموضوعات المهمة التي يكثر الحديث عنها، و سنحاول شرح بعض القضايا المتعلقة بالتجديد والتي نشعر أنها مازالت تحوم في فلك من المعاني الاجمالية والعمومات المطلقة التي تحتاج إلى الامثلة التطبيقية التي تعين على الفهم وتساعد على ايجاد جو من الشجاعة لريادة آفاق ومستويات من التجديد يصد عنها تهيب متردد وورع بارد.
تنطلق فكرة التجديد من مقدمة أساسية وهي أن الاسلام رسالة رب العالمين إلى الناس كافة, وهذا العموم يشمل الزمان والمكان. فالاسلام هو الرسالة الخاتمة للرسالات و لا وحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. فمن لوازم خاتمية الرسالة أن تنسجم طريقة فهمهما والتدين بها مع الاوضاع العالمية المتغيرة والمتجددة في كل يوم. فليس من المعقول الوقوف عند ما قاله أقدمون أو ماقاله السلف بحرفيته في كل المسائل التي خاضوها وتكلموا فيها انطلاقا من خلفيتهم في البيئة والثقافة والزمان والمكان، لأن تفسيرهم وتطبيقهم أو تنزيلهم للنصوص على واقعهم هو فهم وعمل انساني غير معصوم، والوحي أو النص باطلاقه ومضمونه خالد معصوم.
ومن هنا فإن عدم صلاحية أو مناسبة ما نراه في كتب التراث بشأن بعض المشكلات الجديدة أو عدم وجود أي طرح لهذه المشكلات أصلا لا يعني أن الاسلام لا شأن له بهذه المشكلات و لايعني المسلمين الخوض فيها والوقوف على وجه المصلحة والعدل فيها, ولكن هذا يعني أن هناك واجبا لم يقم به أحد بعد.
ويبدأ الخلاف عادة من تحديد من يقوم بهذا الدور، فالذين يعترفون بضرورة التجديد لمواجهة الاوضاع الجديدة المتغيرة يتساءلون : أين المجدد ؟ فالمجد د – كما يرون – له شروط ومواصفات واحاطة بعلوم الآ لة من عربية ومعاني ونحو وبلاغة وأصول وحديث و … إلى آخر هذه القائمة الطويلة. فلعدم وجود من يوثق باحاطته بهذه العلوم جميعا ويعترف له من الجميع بهذه الاحاطة يقولون أن الأمر مغلق، ليس لأننا نحن الذين أغلقناه ولكن لعدم وجود الشخص المؤهل للقيام بهذه الوظيفة.
وهنا نحب أن نوضح أن هذه النقطة ليست محل خلاف، فالتجديد كما نفهمه هو تجديد لا يتعلق باستنباط الأحكام من النصوص ولكنه يتعلق بتنزيل الأحكام. فاستيعاب الأحكام الشرعية الثابتة في القرآن والسنة وما ذهب إليه الأئمة يعتبر مرحلة اولى ومقدمة يستطيعها كثير من الناس – كل في مجال عمله واختصاصه . ونضيف إلى هذا أن فهم الواقع وعناصر هذا الواقع لتنزيل الحكم الشرعي عليه هو الأمر الذي ما زال بحاجة إلى المزيد من الفهم العميق و المزيد من التوثيق. وقد نقل ابن القيم كلاما لطيفا في (إعلام الموقعين) عند شرح رسالة عمر بن الخطاب في القضاء إلى ابي موسى الأشعري و التي قال فيها: الفهم الفهم فيما أدلي إليك فإنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له. قال ابن القيم: ولايتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والامارات والعلامات حتى يحيط به علما. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الأخر.
ففهم الواقع هو شرط أساسي لتنزيل الحكم الشرعي (الذي هو الواجب في الواقع). لقد اعتدنا أن نفهم الأحكام الشرعية مجردة عن الواقع، وندعي مناسبتها لأي واقع دون فهم هذا الواقع وعناصره ومقدماته وسياقه وقرائنه. فما ندعو إليه هو الفهم للواقع و الصلة الحقيقية بالأمة و أحوالها و ما يجري فيها من توجهات و أعراف و ميول و نوازع، ثم محاولة فهم للواجب في الواقع من خلال الأحكام الشرعية الثابتة. فالجهد المطلوب في كثير من القضايا لا يتعلق باستنباط حكم جديد وانما يتعلق باستنباط ما يصلح لهذا الواقع من الأحكام الشرعية الثابتة. وكلام سيدنا عمر في آخر الفقرة التي أشرنا اليها يقول: الفهم الفهم فيما أدلي إليك فإنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له. فاذا كنا نتكلم بكلام هو حق في نفسه إذا تجرد عن مقتضيات الزمان و المكان، ولكن الواقع يأباه ولايناسبه فلا ينفع هذا الكلام، وهذه هي المشكلة التي نعانيها مع صياغة كثير من قضايا الفكر الاسلامي أو الفقه الاسلامي حيث نتكلم فيما يجب – لا فيما يمكن – مما لا نفاذ له. فكلام بشريعة لا علاقة لها بفهم الواقع كلام في فراغ.
وقد تكلم الامام الشاطبي بما يلقي أضواء على هذا الفهم لمعنى التجديد عندما تحدث عن الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط “وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله “. وقال في موضع آخر” قد يتعلق الاجتهاد بتحقيق المناط فلا يفتقر في ذلك إلى العلم بمقاصد الشارع كما أنه لا يفتقر فيه إلى معرفة علم العربية، لأن المقصود في هذا الاجتهاد انما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه ( ج4-ص 92 ). ويقرر الشاطبي في مكان آخر أن الإجتهاد في تحقيق المناط لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت بل بالنسبة إلى كل مكلف في نفسه. فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهوا من غير جنس الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة وإن كانت كثيرة فلا. فوقعت له في صلاته زيادة فلا بد له من النظر فيها حتى يردها إلى أحد القسمين ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر، فاذا تعين له قسمها تحقق له مناط الحكم فاجراه عليه. وكذلك سائر تكليفاته, ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على افعال المكلفين إلا في الذهن لأنها مطلقات وعمومات … فلا بد من هذا الاجتهاد في كل زمان. إذ لا يمكن التكليف إلا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفا بالمجال وغير ممكن شرعا كما أنه غير ممكن عقلا (ج 4 ص49). فالذي نقوله أن الأحكام قد تكون ثابتة ومؤصلة ومستنبطة ولكن تنزيلها على الواقع مشكل كبير، وكثير من الناس ينزلون على الواقع أحكاما لا تتعلق به أبدا. ولا يمكن تحقيق المصالح التي شرعت لأجلها أو تحقيق مقتضى الحكم فيها. هذا الاجتهاد في فهم الواقع والاجتهاد في تنزيل الحكم المناسب على هذا الواقع هو التجديد الذي تشتد الحاجة إليه و نطالب به وندعو إليه.
ونضرب لذلك أمثلة يتبين منها أن التجديد هو تطبيق للحكم الثابت في صورة جديدة تتناسب مع واقع جديد .
حكم الزكاة حكم شرعي ثابت بكتاب الله وسنة رسوله صلى ا لله عليه وسلم ولامجال للكلام فيه. وقد قرر الفقهاء أن الزكاة يجمعها ويوزعها الأمير ذو السلطان وهذا واجب الدولة والأمراء. ولما آلت ظروف المسلمين إلى وضع تعطلت فيه هذه الوظيفة الاساسية للدولة, انبرى كثير من صلحاء الناس ووجهائهم إلى تشكيل جمعيات ومؤسسات للقيام بهذه المهمة في أخذ الزكاة من الأغنياء وردها على الفقراء .
إذا نظرنا إلى هذا الأمر نجد فيه خروجا على نص الفتاوى المدونة في كتب الفقه إلى طريقة جديدة في تطبيق الحكم، ولم نسمع بأي معترض على هذا الخروج على الفتوى المدونة إلى شكل آخر من تحقيق مناط الحكم الشرعي الثابت، فإذا لم تقم الدولة بهذا الواجب ينبري فريق من الناس من أهل الأمانة والثقة والمعرفة بالواقع الاجتماعي للقيام بهذه الفريضة ولا ننتظر حتى يقيض الله عالما بمقاصد الشريعة وعلوم الآلة والأصول ليقول لنا أن من الممكن تحقيق الفريضة بطريقة أخرى تتناسب مع ظروف الواقع الاجتماعي.
والمثال الاخر: قرر الفقهاء أن الجهاد ومجاهدة الكفار والدفاع عن بلاد المسلمين هو من واجبات ومسؤوليات الأمير ذو السلطان أو الحاكم المسلم والدولة المسلمة.
لما جاء الاحتلال الأوروبي إلى أكثر بلاد المسلمين وغابت في الواقع السلطة المحلية وغابت امكانية تجنيد الناس من قبل سلطة حاكمة قادرة ومعترف بها. انبرى كثير من العلماء والوجهاء والكبراء لحمل مسؤولية هذا العبء, و كثير من بلاد المسلمين تم تحريرها بثورات خاضتها الجماهير بقيادات شعبية على رأسها العلماء والمشايخ ومن لا علاقة لهم بصورة حكم ولا حكومة. ولم نسمع بمعترض على هذا التجديد ولم تسمع الأمة أن السنوسيين أو المهديين أو الخطابين أو أتباع الأمير عبد القادر الجزائري أو الشيخ محمد الأشمر في دمشق وغيرهم كثير …. لم نسمع أن هؤلاء لما نذروا أنفسهم لسد الثغرة والقيام بالواجب خالفوا ما نصت عليه كتب الفقه وأنهم بذلك متجاوزون. لما ظهرت الحاجة لرد العدوان وتحرير الأوطان، ورد العدوان والجهاد بالشكل الذي صيغت به كتب الفقه غير ممكن فماذا نفعل ؟ لابد من فهم الواقع الجديد واختراع وسيلة جديدة لتطبيق الحكم الشرعي الثابت. هل يحتاج هذا الأمر إلى إنسان عنده كل علوم الآلة ليقوم بهذا الواجب ؟ والجواب أن لا, فهذا اجتهاد في تحقيق المناط يقوم به من ابتلي بمثل هذا الموقف, ولا عليه أنه خالف ما عرفه الناس مما دون في كتب الفقه والشريعة من وسائل. هذا المعنى من التجديد هو عين ما نريد في كل ما ثبت أن واقع المسلمين قد تغير عما كانت عليه الحال عند تدوين الأحكام أو الفتاوى الشرعية.
فالمطلوب أن نفهم المعنى و المقصد من الحكم , وننزل المعني والمقصد الثابت على الواقع الجديد المتغير بابتكار وسيلة جديدة مناسبة للواقع و الحال.
وقد عقد ابن القيم في (اعلام الموقعين ) فصلا بعنوان تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد. وقال فيها: هذا فصل عظيم جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به, فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي عدل كلها, ورحمة كلها, ومصالح كلها, وحكمة كلها, فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور, وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل.
ثم أتى ابن القيم بأكثر من ثمانين مثالا لأحكام شرعية ثبتت بأحاديث صحيحة ثم نظر الصحابة والسلف إلى ما تغير من أحوال فتغيرت الفتوى لاختلاف المناط والأحوال والأزمان والعوائد. و يعجب المرء من وجود ثمانين مثال على تغير الفتوى لتغير الأحوال ضمن جيل واحد، ويتساءل في الوقت نفسه ألم يتغير من الأحوال والعوائد بعد ألف سنة عدد أكبر من هذه القضايا ؟
فالمطلوب هو المحافظة على المعنى والمقصد في الحكم و تنزيل ذلك المعنى و تطبيقه ليتناسب مع الواقع.
وأحد الأمثلة التي ساقها ابن القيم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال للسائل دعها معها حذاؤها وسقاؤها, فلا يخشى على الإبل الضالة هلاكا من جوع أو عطش أو افتراس فكان الأمر بتركها. جاء عثمان رضي الله عنه وأمر بأخذ ضالة الإبل، لما رأى من اختلاف الأحوال والعوائد. فإذا كان الأمر النبوي بترك ضالة الإبل ينطلق من حفظ المال في مجتمع غلبت عليه الأمانة فإذا قلت الأمانة صار إتلاف المال بتسلط الأيدي العادية واردا ومحتملا، فالأمر بالأخذ هنا حقق نفس المصلحة من الأمر بالترك هناك. وهذا مثال واضح عن تغير الحكم بتغير الواقع، وهذا يمثل اعترافا من سيدنا عثمان أن الواقع الإجتماعي الذي حقق المقصد الشرعي أول مرة لم يعد موجودا لتحقيق المقصد الشرعي في المرة الثانية.
رأى الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه (كيف نتعامل مع السنة) أن اعتماد الحساب في إثبات الهلال هو أولى من اعتبار الرؤية المنصوص عليها. فالقضية عنده لا تعدو مسألة نص على وسيلة تتناسب مع واقع عصر النبوة وليس هناك من مانع شرعي ولا عقلي من اختيار وسيلة أعلى منها وأثبت في تحقيق مقصد الاثبات ووحدة الكلمة بين المسلمين.
فما يشهد به الواقع أن اعتماد الرؤية في الاثبات كان يضمن الوحدة عندما كانت المسألة تتعلق ببلدة أو قرية ليس هناك من وسيلة للعلم بما صنع بلد آخر على مسافة قصيرة لاتتجاوز عشرات الأميال، فإذا صار الكون كله قرية صغيرة بعد ثورة الاتصالات وامكانية تبادل المعلومات بالهاتف والأقمار الصناعية، أصبح اعتماد الرؤية مدعاة للتفرق وليس وسيلة وحدة كما كان الأمر قبل ثورة الاتصالات. فالحادثة الكونية التي تحدث في كل الدنيا في لحظة واحدة هي الولادة الكونية للهلال, فهذا أمر لا يمكن الاختلاف عليه, فقول الشيخ القرضاوي باعتماد الحساب متوجه لأنه يريد تحقيق مقصد الشريعة في الوحدة من خلال اعتبار المقصد لا عين الوسيلة المنصوص عليها، وهذا هو التجديد المطلوب كما نراه.
و يتردد في كتب الفكر الاسلامي كلام طيب عن ضرورة التجديد وضرورة تحويل القيم إلى برامج وضرورة الانتقال من الحماس إلى الاختصاص وهذا كله هو من صميم ما ندعو إليه من تجديد ولكني أخشى أن يكون في عمومات هذا الطرح ما يدفع الانسان إلى الوقوع في الوهم بأن أمر التجديد يعالجه مختصون – بالمصطلح الغربي الأكاديمي – وهؤلاء وإن وجدوا على ندرتهم لا نكاد نجد من تبلورت منهجيتهم ومرجعيتهم الاسلامية وتوجههم إلى هموم الأمة وهويتها وذاتيتها. بالاضافة إلى أن الحديث عن البرامج يوحي بأن التجديد المطلوب – حصرا – هو تجديد في أعلى درجات السلم السياسي أو العلمي أو الاقتصادي فنرجع من الدعوة إلى التجديد – أن فهمت بهذا الشكل – صفر اليدين لا نستطيع أن نخطو خطوة واحدة على طريق تأمين الكفاية ورفع العجز والوهن، ويتصور الناس أن لا دخل لهم بهذه الدعوة إلى التجديد وأنهم ليسوا مخاطبين بها، والجميع ينتظر المعجزة وأن يلهم الله من يتصدر سدة القرار السياسي أو الاقتصادي أو العلمي أن يتوجه إلى صياغة البرامج واستشارة أهل الخبرة ممن نطمئن إلى إسلامية توجهه وانتمائه إلى هموم الأمة.
فإذا أضفنا إلى ذلك الفهم الشائع لبشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سيبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها, بأن المجدد المقصود مجدد موسوعي يفقه كل شيء ويستطيع أن يعالج كل شيء, كان من الصعوبة بمكان أن نعرف من أين نبدأ , وكيف تتحول الدعوة إلى التجديد حافزا للأمة على مختلف طبقاتها للتعبئة لرفع الوهن والعجز والتخلف.
التجديد واجب فردي – جماعي
وأتصور أن التعريف الذي قدمناه لمعنى التجديد والأمثلة التي أوضحت هذا التعريف بحاجة إلى مرحلة أخرى من التبسيط والتوضيح لتؤدي الدعوة إلى التجديد دورها على كل مستوى .
يتعارف الناس ضمن كل مهنة من المهن على طبيعة المشكلات التي تحيط بتلك المهنة, وتتأصل من خلال المعاناة اليومية أعراف وتقاليد تصبح مع تقدم الزمن المرجع والحكم عند التنازع والاختلاف. فمعرفة عيوب كل صنف من البضائع ومعرفة مداخل الغبن والغرر في كل نوع من أنواع التعامل, ومعرفة الجهالة في العقود التي يتسامح بها والجهالة الفاحشة التي تؤدي إلى الخلاف والتنازع …… هذه خبرات لابد منها عند محاولة تنزيل الحكم الشرعي الثابت بمنع الغش ومنع الغرر ومنع الجهالة وتفادي ما يؤدي إلى الخصومة بين الناس .
إن إيجاد وسائل متجددة ضمن أعراف كل مهنة لتنزيل الحكم الشرعي الثابت هو عمل من صلب معنى التجديد وهو عمل يشمل مختلف شرائح الأمة و فعالياتها الاقتصادية و العلمية, فاجتماع أرباب كل مهنة واختصاص لمراجعة أو اقتراح لوائح تنفيذية تحقق المعنى الشرعي في رفع الغش والغبن والغرر ضمن أعراف المهنة والاختصاص ومراجعة القوانين النافذة المتعلقة بهذه الأمور … هذا أمر مطلوب إن أردنا لمطلقات الأوامر الشرعية أن تترجم إلى واقع اجتماعي و برنامج يستشعر الناس أهميته في تسهيل حياتهم وقضاء حاجاتهم. وهو أمر يحتاج إلى جرأة في طرح المشكلات و جرأة في بيان عدم كفاية الوسائل المقترحة في كتب التراث لمعالجة هذه المشكلات بحجمها ومداها الجديد, ثم عقلية مبدعة تحاول ايجاد الحلول من خلال عمومات المعاني الشرعية الثابتة. فالذي يحكم أن هناك ضرر ومفسدة و إيذاء والذي يحكم أن المصلحة في صورة من صور التعامل متحققة أو منتفية , ليس هو عالم الشريعة بصورته التراثية بل هو الذي يعاني هذه الأمور من أرباب كل مهنة و حرفة وكل اختصاص من الاختصاصات, ولا بد من بيان ذلك و تشجيع كل من له صلة بتيار الصحوة الاسلامية للمشاركة والمساهمة في هذا الطرح التجديدي لمشكلات الواقع الاقتصادي.
واذا انتقلنا إلى أفق المشكلات الاجتماعية وجدنا أن معنى التجديد فيها هو أهم و آكد .
فكثير من الممارسات والأعراف والتقاليد الاجتماعية خرجت عن معناها الذي وضعت له إلى أن تكون أغلالا واصارا وتكلفا ومدعاة للحرج والمشقة . فإذا نظرنا إلى أصل الاداب الشرعية في الواقع الاجتماعي من تزاور وتهادي وتهنئة وتعزية ومواساة وعيادة مريض وضيافة وتحية وما إلى ذلك وجدنا أن المعنى المطلوب شرعا لأمثال هذه الاداب والفضائل هو بناء لحمة اجتماعية متماسكة مدارها التكافل والتعاون على الخير والمساعدة والمواساة ليجد المرء في محيطه الاجتماعي ما يعينه على تخطي الصعوبات والمحن. ويعطيه الشعور بالانتماء إلى بيئته وقومه. والناظر إلى الواقع الاجتماعي يرى ضمورا واضحا في هذه المعاني، وقد يصل الأمر إلى أن بعض الأعراف والممارسات الاجتماعية تعود بنوع من الخلل على المعنى المطلوب شرعا من الأعراف والاداب الاجتماعية. ولا يحتاج الأمر هنا إلا إلى عقلية عملية تربط بين السلوك و التصرفات وما تؤول إليه في الواقع الاجتماعي و ذلك للرجوع إلى المعنى الشرعي الأصلي وطرح الأشكال والرسوم والتمسك بروح الاداب ومدلولها الاجتماعي لا بحرفية ما اعتدنا على فعله تقليدا للاباء وتمسكا بالقديم. هذا المعنى من التجديد الاجتماعي يستطيعه كل من عنده الجرأة على ترك القديم من العادات التي فسد معناها واقتراح بديل جديد لتحقيق المعنى الاجتماعي من باب (من سن سنة حسنة).
هذا المعنى من التجديد يعم الأمة جميعا ولا يختص بفئة ولا مهنة ولا مستوى علمي ولا غير ذلك، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا المعنى من التجديد هو المقدمة الاولى والخطوة الأولى التي تشكل الأرضية والمناخ الاجتماعي و الثقافي والنفسي للتهيئة لأجواء تتقبل الافاق الأخرى من معاني التجديد الشرعي والعلمي.
الصيغة العملية للتجديد
ولعل الصيغة العملية للتجديد ولتغيير ما خرج عن أصل وضعه الشرعي من المعاملات والممارسات تكمن في إحياء معاني الشريعة ومقاصدها و التعرف على موارد التزكية فيها ونشر ذلك التوجه بين مختلف طبقات الأمة، ثم توثيق الصلة بين الأمة وعلماء الشريعة. فالتفاعل المستمر بين معاني الأحكام والمقاصد الشرعية وبين واقع الأمة بمختلف خبراتها واختصاصاتها تولد تلقائيا مشاريع واقتراحات لحل مشكلات الواقع الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والسياسي, ولابد من أن يتفاعل علماء الشريعة مع هذا الواقع وتلك المقترحات لتتكامل الصياغة العلمية و يجري عرض ذلك كله على النصوص و الأصول لإقرار ما وصل إليه الناس من حلول أو لإرشادهم إلى خلل في فهم المعنى والمقصد وتشجيعهم على تدارك ما وقع من خلل في الفهم أو التطبيق أو قصور في فهم افاق المعاني والمقاصد. أما مجرد الخروج عن صور التطبيقات التاريخية للأحكام أو الخروج عن الإختيارات المذهبية لبعض العلماء، فليس بعيب قادج ولاتهمه يجب التبرؤ منها، بل هي الضرورة العملية والتجديد الذي ندعو إليه ونلح على تشجيعه ومباركته. فليس من المعقول أن ندعي أن الاسلام رسالة خالدة خاتمة ثم نصر على ثبات الفتوى وإن اختلف الزمان والمكان والواقع والسياق وكل القرائن.
إن من غير المعقول أن نتصور إمكان احاطة عالم الشريعة بفروع جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية وغير ذلك فإن فرعا واحدا من هذه المجالات يستغرق سنوات طويلة ليحيط المرء بدقائقه وخفاياه ويتمكن فيه وينال منزلة الخبير الموثوق. فيكاد أن يكون الأمر مستحيلا أن نطلب من العالم بالشريعة أن ينفرد بالقول في كل مسألة وأن ينفرد باقتراح الحلول لعل معضلة, فلكل أمر أربابه وأهل الفهم فيه وهم أدرى بتنزيل عمومات الأحكام الشرعية على واقع مهنتهم وعملهم الذي علموه بالتفصيل. ويبقى دور عالم الشريعة هو الصياغة العلمية أو التوثيق و الربط بعمومات الكتاب و السنة مما يمكن أن نسميه الاقرار الدستوري – إن صح القول.
ولعل من المفيد أن نذكر أن بعض علماء الأمة وعوامها ينفرون من مصطلح التجديد ويكرهون نشره واستعماله لارتباطه في واقع الأمة المعاصر بالحملة المسعورة التي يشنها الغرب ودعاة التغريب في بلاد المسلمين لتمييع الهوية الاسلامية للأمة وتذويب شخصيتها وذاتيتها لإحلال القيم الغربية ونموذج الحياة الغربي محل الاسلام وقيم الاسلام في حياة الأمة وقد انتشر استعمال مصطلح التجديد بين هؤلاء ليغطوا سوء مقصدهم وما يبيتون من مكر فكان رد فعل الأمة في ظروف المواجهة السياسية مع الغرب هو التمسك بكل قديم والنفور من كل تغيير وكل جديد, وهو تصرف مفهوم معقول في بدايات المواجهة وصخب الصراع للتحرر من الاستعمار.
ولكن استمرار الرفض لكل جديد ومحاولة التمسك بكل قديم وادعاء أن هذا القديم هو الاسلام الذي يجب الدفاع عنه، أصبح مرضا مميتا وظاهرة خطيرة يجب التصدي لها, فإساءة استخدام مصطلح التجديد وزج هذا المصطلح في إطار التمويه لعملية دفع الأمة إلى التيه وإبعادها عن قيمها وذاتيتها يجب أن لا تلفتنا عن الواجب الدائم في فهم العصر وتنزيل القيم والمعاني والأحكام بما يتلاءم مع حقاثق الواقع. ولا ضير في تلاقي بعض أشكال الوسائل مع ما يماثلها في حضارة وثقافات الشعوب الأخرى، فالمسلم يعطي الوسائل هويتها ويعطي الوسائل وجهتها لا العكس. واستعارة عمر بن الخطاب لنظام الديوان لتنظيم عمليات الجهاد لم يمنع منه أنه نظام فارسي المنشأ عندما تمت عملية التكيف المناسب للوسيلة المستعارة مع الواقع الاجتماعي والقبلي للعرب المجاهدين.
إن اطمئنان الأمة إلى هوية وانتماء واهتمامات المتحدثين عن التجديد والتطوير أو الذين يبادرون إلى اقتراح وسيلة عملية لحل أزمة واقعية، أن اطمئنان الأمة إلى قضية الهوية والإنتماء هو الضامن لتفاعل الأمة مع معنى التجديد والمضي معه بتجاوب كامل تماما كما حدث في الجهاد ضد المستعمرين أو في انشاء المؤسسات والجمعيات للاغاثة أو في كل صور حركات التجديد الاسلامي التي جمعت اعدادا هائلة من صفوف الأمة لترشيد صحوتها وقيادة مسيرتها إلى الاستقلال والكفاية.
إن قضية التجديد تتعلق بفهم الواقع الذي تغير, لذلك يصعب أن نفهم أو نتصور امكانية أن يتعلق التجديد بالمقاصد الشرعية التي تمثل الثوابت في التوجهات والأطر العامة يصعب أن يتناولها التفكير البشري بالتعديل، وهذه الثوابت هي المركز الذي يحدد الرؤية ويشكل المرجع ضمن معطيات الوحي المعصوم. أما إن كنا نعني أن تجديد المقاصد يعني توسيع افاق المقاصد حتى لا تنحصر صورة تطبيقها وتنزيلها على الواقع والتدين بها بصور التطبيق التاريخي أو الرؤية البشرية التاريخية لهذه المقاصد فهذا أمر مسلم لابد منه.
فالمسلم الذي يعتقد أن التدين و التمسك بالشريعة لا يمكن إلا بصورتها المدونة في كتب الفقه، يعيش جوا من الفصام والشعور بالاثم يحمله أغلالا و اصارا وحرجا لأنه يعتقد أنه يعيش وضعا لا يرضى الله سبحانه عنه، لأن الفتاوى إذا لم يكن تنزيلها على الواقع ممكناً فمعنى هذا أننا لا نعيش حياتنا بالاسلام.
إن تحرير المسلم من هذا الضغط النفسي الهائل برفع العصمة عن صور التطبيق التاريخية لأوامر الوحي والرجوع به إلى أصول المعاني والمقاصد الحاكمة على الفتاوى والموجهة لتنزيل الاحكام على الواقع ….. هذا كله من الواجبات الضرورية لإعادة العافية إلى العقل المسلم واخراجه إلى الفاعلية والواقعية.
إن توسيع افاق المقاصد ليستطيع المسلم أن يواجه التحديات العملية والفكرية التي يواجهها، أمر أشار إليه الإمام الشاطبي عندما تناول الأوامر المطلقة التي وردت في القرآن الكريم و قرر أن المكلف هو المطالب بتنزيلها على واقعه وبيان مداها ومدلولها وافاق التدين بها في بيئته وزمانه ومكانه وأعرافه الاجتماعية. عندما قال : كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص فهو راجع إلى معنى معقول و كل إلى نظر المكلف. وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة كالعدل والإحسان و العفو والصبر والشكر في المأمورات، والظلم والفحشاء والمنكر والبغي ونقض العهد في المنهيات. وكل دليل ثبت فيه مقيدا غير مطلق وجعل له قانون وضابط فهو راجع إلى معنى تعبدي لايهتدي إليه نظر المكلف لو وكل إلى نظره. (الموافقات ج 3 ص 52).
التجديد في آفاق المفاهيم
قبل أن نختم هذا الحديث لابد من الاشارة إلى نوع من التجديد لا يتعلق بتنزيل الأحكام على الواقع وإنما يتعلق بطرح افاق جديدة للمفاهيم والأطر الكلية ليتمكن المسلمون من الانتقال إلى مستويات أعلى في شكل ومضمون الخطاب الاسلامي وتقرير المفاهيم الاسلامية.
ومن الواضح أن مثل هذا التجديد والانتقال إلى افاق جديدة في الخطاب الاسلامي وصياغة المفاهيم القرآنية أمر لا يحسنه إلا أصحاب الخبرة والاختصاص ممن استوعبوا معطيات الانتاج الفكري والثقافي في موضوع اختصاصهم ثم قدموا مساهمتهم في التجديد نقلة نوعية في كيفية النظر إلى المعنى الاجمالي والاطار العام الذي تتكيف به الجزئيات واحاد الافكار والاحكام .
وفي العالم الاسلامي اليوم صحوة، وفي العالم الاسلامي اليوم تيارات وطروح متعددة للخروج من أزمة التخلف والاختلاف والتناحر والهيمنة الغربية في كل المجالات ولابد أن تسري روح التجديد في جسم الأمة لتسترد العافية في عقلها وصلتها بكتابها وتتلمس خطواتها في واقع تعرفه وتدركه وتتطلع إلى مستقبل راشد على منهاج النبوة.
إن التجديد في المفاهيم وآفاق المقاصد الشرعية ضرورة ملحة يجب أن تجند لها العقول والامكانيات ولاينفعنا أن نتقاعس عن هذا الواجب لاحتمال أن نقع في خطأ وتجنبا لما قد يحدث من اختلاف. والله سبحانه وتعالى قد حفظ دينه، والأمة في مجموعها معصومة لا تجتمع على ضلالة ولا يستمر فيها إلا ما وافق الحق الذي قامت عليه السموات والأرض: ) وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض ).