خطاب التكليف وخطاب الوضع

توجه علماء الشريعة عند تعاملهم مع الأحكام العملية التي استنـبطوها من النصوص و الروايات و فتاوى علماء خير القرون إلى صياغة مفاهيم كليّـة تندرج تحتها الجزئيات المتناثرة و آحاد الأحكام. و من هذه المفاهيم الكلية مفهوم خطاب التكليف حيث تم تصنيف الأوامر و النواهي و الوصايا و العهد و فتاوى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم و غير ذلك إلى خمسة مراتب من الوجوب و المندوب و المباح و المكروه و الحرام . و قد قرر العلماء مرتبة كل حكم بناء على نظر كـلّـي إلى الأدلة و قوتها و سياق الكلام في النصوص المتعلقة بفعل من أفعال المكلفين ,  و بناءً على النظر في مقدار المفاسد و المصالح المترتبة على الفعل و مقدار غلبة الظنّ بتحقـقها . فليس كل أمر يفيد الوجوب , و ليس كل نهي يفيد التحريم , إذ لا بد من النظر الكلـي في موارد الأمر و النهي للوقوف على حقيقة المراد بالأمر من الإباحة أو الندب أو الوجوب أو حقيقة المراد بالنهي من الكراهة أو التحريم .

و خطاب التكليف كما أورده علماء الأصول جاء بدون تعريف و جاء مطابقاً لتقسيم الأحكام و ذلك بقولهم خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة مع أن الأمر يحتاج إلى التوضيح و التفصيل , و هو ما نريد أن نسجل فيه بعض الملاحظات و التي نأمل أن تساهم في تحريك الأذهان لمزيد من البحث و الدراسة .

أول هذه الملاحظات أن  مفهوم خطاب التكليف جاء  في جميع كتب الأصول بلا تعريف أو بيان حد أو غاية , إذ ينحصر خطاب التكليف بالأقسام الخمسة للأحكام و تأتي جميع الشروط و التفاصيل الأخرى عن التكليف في إطار الشرح لبعض الشروط الإجرائية للتكاليف مثل العقل و الإيمان و البلوغ . و تأتي بقية التفاصيل في ثنايا بعض الأبحاث في كتب الفقه و الأصول متناثرةً في بعض أبحاث العقيدة أو الحديث عن خطاب الوضع أو الرخص  و غير ذلك. و يعجب المرء و يتساءل عن السبب الذي جعل الحديث عن مفهوم التكليف و شروطه و مجالاته لا يحتل المكان اللائق به في التربية الدينية  أو التعليم الشرعي . و أحسب أن ضمور المقدمة الطبيعية لأبحاث الفقه و المتمثلة في شرح مفهوم التكليف و ما يتعلق به قد يكون السبب في انتشارتوجهات الغلو و الحرفية و التعسف من جملة مظاهر الفكر الحـدّي الذي تغيب معه الصورة الكلية الإجمالية للأمور و يتضخم موضع الجزئيات ليصبح النظر إلى الأمور من وجهة نظر الشريعة – كما يفهمها الناس – حرام أو حلال, أبيض أو أسود,  و بدون تفصيل أو فهم كـلي شامل .

و الملاحظة الأخرى أن كثيراً من التفاصيل المهمة لمفهوم خطاب التكليف و شروط الدخول في الأعمال جاءت مغمورة متناثرة في كتب علماء أجلاء في سياق أبحاث مهمة قيمة لا تختص باسم خطاب التكليف و لكنها تقدم تحليلاً دقيقاً و توجهاً حكيماً في عرض و شرح هذا  المفهوم , فلا بد من إعادة الصياغة لما طرحه هؤلاء الأئمة الأفذاذ بما يكشف عن مساهماتهم التي طمسها البعد عن الترتيب المنهجي لآحاد الأفكار و المفاهيم .

إن ما ذكره الشيخ العز بن عبد السلام في ” قواعد الأحكام ” عن تفصيلات مراتب المصالح و امتزاج المصالح بالمفاسد – مثلاً –  يعد مقدمة مهمة في توضيح مفهوم التكليف و لكن الشيخ لم يشر إلى علاقة ماذكره بمفهوم خطاب التكليف . و كذلك فإن جميع ما ذكره الإمام الشاطبي في كتاب الموافقات هو شرح و تفصيل لمفهوم خطاب التكليف . و أظن أن التسمية الأصلية للكتاب ” التعريف بأسرار التكليف ” كما أوضح الشيخ الشاطبي في مقدمتة لكتاب الموافقات تدل على محتواه و موضوعه إلى درجة كبيرة . فالمقدمات التي افتتح بها الشيخ الشاطبي كتابه و شرح تفاصيل الدخول في الأسباب و وجوب مطابقة التسبب لمجاري العادات – السنن الكونية  – أو ما ذكره الشيخ في كتاب المقاصد من وجوب مطابقة مقاصد المكلف عند قيامه بالأعمال  لما قصده الشارع بالتكليف , أو ما ذكره من تفاصيل الدخول في المشقة , و كثير من تفصيلات الحديث عن الأدلة أو الإجتهاد داخلة في معنى التكليف و شرح ما يحف به من المعاني و المتطلبات .

و ما ذكره ابن خلدون من وجوب مطابقة وسائل التغيير لطبائع العمران أو ما يمكن أن نسميه – السنن الإجتماعية – , كل ذلك – و كثير غيره –  له صلة أكيدة بشرح و توضيح مفهوم التكليف و طبيعته , و شروط الدخول في الأعمال و التكاليف من وجهة النظر الشرعي , و لكن هذه المساهمات القيمة منثورة مبعثرة في سياق موضوعات كثيرة متشعبة , فلا بد من جمعها و تبويبها و تنسيقها و استثمارها لبلورة مفهوم التكليف , و لا بد كذلك من إضافة البعد الجماعي لمفهوم التكليف و ما يتضمنه ذلك من إعادة لصياغة مفهوم فروض الكفاية و ما يحف به من المتطلبات . و بعد ذلك  لا بد من إدراج هذه الأمور – بترتيبها الجديد – في صلب علم الأصول و طريقة تدريسه و توظيفه .

و أما المفهوم الكلي الآخر الذي صاغه العلماء في محاولتهم لتبويب و تصنيف الأحكام الشرعية و متعلقاتها فهو – خطاب الوضع – . و قد عبر بعض العلماء عن وعورة هذا المصطلح و صعوبة فهمه , و تجاوز الأكثرون ذلك و قفزوا فوق التعريف و بيان الحد إلى القول أن خطاب الوضع هو الأقسام التي ينقسم إليها من أسباب و شروط و موانع و غير ذلك , كما فعلوا من قبل عند الحديث عن خطاب التكليف إذ عرفوه بأقسامه .

و عند التأمل في مناقشات العلماء و ما أثاروه من قضايا حول هذا المفهوم تبين لي أن – خطاب الوضع – هو مفهوم غني و عميق لا بد من سبره و استثماره لمحاولة فهم أدق لطبيعة النظر الشرعي إلى الأحكام كما رآها علماء الأصول .

و أول ما يجب تسجيله في محاولتنا لفهم مصطلح خطاب الوضع هو علاقة هذا المصطلح بالتعامل مع الظروف و الأوضاع العملية مما يتعلق بالواقع أو ما يترتب على أمور واقعية خارجة عن التحكم بها أو ضبط حدوثها . فالإمام الشاطبي في – الموافقات – يفتتح حديثه عن خطاب الوضع بقوله : “الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع من أجلها أو توضع ضربان : أحدهما خارج عن مقدور المكلف . . . . ” فعلى هذا يترشح أن يكون خطاب الوضع محاولة لتأصيل منهجية في التعامل مع الأفعال الواقعة في الوجود و الخارجة عن مقدور المكلف .

أما الإمام القرافي في كتابه – الفروق –  فقد ميز خطاب الوضع عن خطاب التكليف بقوله ”  و اعلم أنه يشترط في خطاب التكليف علم المكلف و قدرته على الفعل و كونه من كسبه ” و بهذا يترشح أيضاً أن خطاب الوضع يتناول أموراً لا تتعلق بقدرة المكلف و لا علمه و لاكسبه .

و كذلك بين الإمام الشاطبي عند الحديث عن الشروط المعتبرة شرعاً أن الشروط الراجعة إلى خطاب الوضع ليس للشارع قصد في تحصيلها أو عدم تحصيلها من حيث هي شروط , فإبقاء النصاب حولاً حتى تجب فيه الزكاة – مثلاً – ليس بمطلوب الفعل و لا مطلوب الترك . وكذلك قرر الشاطبي عند ذكر الموانع أنها ليست بمقصودة للشارع , بمعنى أنه لا يقصد تحصيل المكلف لها أو رفعها , و لكن متى حدث أو وقع المانع ترتب عليه أمور . و كذلك اعتبرت الرخص من خطاب الوضع نظراً للوضع الإستثنائي للمرض و السفر و المشقات التي تخرج عن المعتاد و دور ذلك في التيسير و رفع الحرج . فأسباب الرخص ليست مقصودة التحصيل للشارع و لا مقصودة الرفع لأنها موانع لترتب أحكام العزائم .

و من جملة هذه الإشارات و التوضيحات نستطيع أن نقرر أن خطاب الوضع – كما قرره  العلماء – هو مفهوم يتعلق بالتعامل مع الواقع و ما يجري فيه , هذا التعامل الذي يأخذ الواقع – كما هو- بعيداً عن الإستغراق بالتقييم الأخلاقي أو المعاناة الشعورية . فما يجري في الوجود من الأفعال التي  – لا قصد للشارع في تحصيلها أو رفعها – هي أمور تأخذ مداها في الواقع و ينظر إليها المسلم كأسباب لوجوب أشياء ما كانت واجبة , أو موجبات لشروط تحدد طبيعة التعامل مع الأمورأو موجبات و مقتصيات  لموانع ترفع أحكاماً مستقرة أو واجبات مقررة .

إن فهم خطاب الوضع بهذا الشكل يعطي القدرة على معالجة الواقع و تحليله و فهمه بعيداً عن هاجس إعطاء الموافقة أو هاجس الإقرار بما ليس مرغوباً فيه أو هاجس الإذعان لما هو منهي عنه و محكوم ببعده عن الصواب في الظروف العادية .

إن خطاب الوضع هو الرد على الخطاب المثالي الذي يعالج الأمور بالرفض و الإنكار و الإدعاء أن كل شيء هو على ما نحب أن نراه و نتمناه , هذا الخطاب المثالي الذي يقفز فوق معطيات الزمان و المكان و لا يلتفت إلى الأفعال الواقعة في الوجود ليؤصل الرد الناسب عليها و التصرف الملائم تجاهها .

إن خطاب التكليف هو الخطاب بما يجب على المكلف فعله أو تركه من مراتب الأحكام في الظروف الطبيعية عندما يكون المكلف في سعة من أمره بشأن الخيارات المتاحة , أما خطاب الوضع فهو أشبه بمعالجة إصابةٍ بحادث في غرفة الإسعاف حيث توضع الآليات في ترتيب معكوس لرعاية الأولويات , إذ لا نستطيع التحكم في طبيعة الإصابات و لكننا نستطيع أن نحدد خطة لوقاية المريض من مضاعفات يمكن تفاديها و درء خطرها .

و فهم خطاب الوضع بهذا الشكل يعطي الفرصة للخروج من التصور – الحـدّي – الذي يختزل الحياة و تشعباتها إلى حرام أو حلال , بينما تتنوع الأفعال الواقعة في الوجود إلى طيف من الإحتمالات لا تنسجم مع ذلك الحصر . فحيث تـقـع أمور ليس للشرع مقصد في تحصيلها أو منعها لا بد من تحلـيـل هذه الأمور في سياقها و علاقاتها بالقرائن و بعد هذا النظر الكـلي يمكن النظر فيما يتسبب عن هذه الأمور أو فيما توجب من شروط أو يترتب عليها منع أو تعليق لأمور مقررة .

فخطاب الوضع كمفهوم طرحه الفكر القانوني الإسلامي هو مفهوم عملي حركي يدرس الأفعال الواقعة في الوجود كما هي , ليقيم نتائجها و انعكاساتها بعقلية واقعية تتناول الأمور دون آراء و مواقف مسبقة تغري بالإهمال أو التجاوز و الإلغاء أو أي شكل من أشكال القفز فوق الحقائق .

و لكن الناظر في الأمثلة التي ساقها العلماء و الفقهاء على خطاب الوضع تصيبه خيبة الأمل . فقد كانت الأمثلة في أغلبها من باب العبادات أو بعض صور فقه المعاملات و لكنها في مجموعها لا تعطي التصور لمدى حيوية هذا المفهوم و امكانيات استثماره . فدخول الوقت سبب للصلاة , و ستر العورة أو استقبال القبلة شرط في الصلاة , و الحول شرط في وجوب الزكاة , و السرقة سبب في وجوب القصاص , و الحيض و النفاس من موانع الصلاة . . . . و غير ذلك . فهذه الأمثلة تحصر خطاب الوضع في حوادث كونية أو أمثلة تاريخية يصعب تجاوزها و البناء عليها أو الإضافة إليها .

و هنا أريد أن أستعرض بعض الأمثلة التي أشعر أنها تمكن الناظر في أحوال الأمة من استثمار منهجية خطاب الوضع لإقتراح توجهات في المعالجة الواقعية و التخريج القانوني و النظر الديني .

فالظواهر الإجتماعية مثلاً هي من الأفعال الواقعة في الوجود و لابد من النظر إليها من زاوية خطاب الوضع , فارتفاع نسبة الطلاق في بلد من البلدان – بالغاً ما بلغ كرهنا و غضبنا من وقوعه و استفحال أمره – لا بد أن يحملنا على إلغاء أو تعديل فهم جرى العمل عليه في خطاب التكليف , و قد يحملنا على اشتراط أشياء في العقود أو إجرائيات توثيقها و إبرامها أو فسخها غلب على ظننا أنها تقلل من احتمال وقوع الطلاق أو أنها تقلل من الضرر الواقع أو المتوقع على أحد الزوجين . أما النظر إلى ما جرى عليه العمل بشأن تفاصيل عقود الزواج و الطلاق و كيفيات إبرامها كأمر ثابت مقرر – لا يمكن تعديله – بغض النظر عن ما يجري في الواقع الإجتماعي , فهو النظر المثالي الذي يؤكد فصل الدين عن الحياة و فتح الطريق للعلمانيين للتحكم بتفاصيل النظام الإجتماعي بعيداً عن مقاصد الشريعة و تزكيتها للحياة . و قد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى تحذيرات الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – في قضية التشدد في إيقاع الطلاق , و أن مواقف المتشددين تفتح باب الفتنة لتنصير قوانين الزواج .

و الظواهر الإقتصادية من وجوه الإكتساب و تأمين الكفاية هي من الأفعال الواقعة في الوجود و لابد من النظر إليها من زاوية خطاب الوضع . فانتشار البطالة و الفقر مثلاً قد يكون سبباً في تدابير إقتصادية غلب على ظننا أثرها الطيب في التقليل من هذه الظاهرة و لو كانت هذه التدابير باتجاه معاكس لتوجهات تشريعية و قانونية معروفة و مستصحبة لفترات طويلة .

فمعالجة الملكية للأراضي الزراعية مثلاً و وضع سقف لهذه الملكية و توزيع الأراضي على من يستطيع استثمارها بشكل يؤمن كفاية الغذاء للأمة و يؤمن فرص العمل أو غير ذلك من التدابير الإستثنائية التي كان سببها وضعاً اقتصادياً مختلاً تصبح من الواجبات التي سببها الوضع .

و هنا يجب  التنبيه إلى أن التدابير التي يتم اتخاذها لمعالجة وضع مختل لابد فيها من الأناة و الحذر و مشاورة أهل الخبرة و الإختصاص و التجربة , فالنظر الشرعي إلى أي أمر تابع لغلـبة الظن بتحصيل المنافع و المصالح و رعاية المقاصد , و لا ترقى آحاد النصوص و التوجيهات لتكون الحكم النهائي في أي مسألة دون اعتبار النظر الكلي لنوع المصالح التي تندرج تحتها النصوص و التوجيهات .

و مسألة الغلاء و التضخم هي من الظواهر الواقعة في الوجود و لابد من النظر إليها من جهة خطاب الوضع . فالنظر إلى سبب الغلاء و ارتفاع الأسعار هو الذي يحدد طريقة المعالجة , و النظر إلى سبب الندرة و إمكانية التحكم بها أو التأثير فيها بالتسعير أو منع التصدير أو ضبط الإستهلاك أو غيرذلك من الوسائل , هي من الأمور التي كان الغلاء فيها سبباً لأمور تشرع أو تفرض أو تشترط  أو مانعاً من تصرفات كانت مباحة أو تقع في مرتبة العفو في الحالات العادية و لابد من معالجتها بروح واقعية تعالج المشكلات و لا تتجاهلها , و تقلل الضرر و ترعى مقاصد الشارع في تحقيق الكفاية من السلع و الخدمات و رفع العسر و الحرج .

و التخلف العلمي و سوء الأداء المهني و كل ما يؤدي إلى تخلف الكفاية في جميع مرافق الحياة هو من الأمورالتي تضرب جيلاً من الأمة و لابد من النظر إلى هذا الوضع و ما يستوجبه من تصرفات أو أحكام أو تكاليف سببها – الوضع – أو ما يترتب عليه من الشروط التي نتجت عن تخلف الكفاية , أو من الأمور التي تمنع رغم الإباحة الأصلية و ذلك لتعلق المصلحة العامة و مقصد تحقيق الكفاية بمنعها و لو إلى حين .

و قد يكون من الأفعال الواقعة في الوجود و التي غيرت وجه العالم , الثورة الهائلة في وسائل الإتصال و المواصلات إذ غدا العالم قرية صغيرة حيث يعلم الناس ما يجري في الطرف الآخر من العالم لحظة بلحظة دون تأخير. فكيف لا يكون مثل هذا الحدث الهائل سبباً في إيجاب بعض الأمور أو تعديل شروط في كثير من الأمور لتكون على خلاف ما كانت عليه قبل هذا الواقع , أو مانعاً من إثبات حكم من الأحكام على الصورة التي كان عليها قبل هذا الواقع الجديد .

إن تجاهل انعكاسات تطور وسائل الإتصال و المواصلات هو فتنة للناس عن دين الله سبحانه و تعالى , تجعل الدين مرتبطاً بزمان ولى و عهود المجتمعات المتناثرة المتباعدة التي لا يدري كل منها ما يجري في الطرف الآخر, فلا ضرر إذا فهمت الأمور على نحو فردي لا مركزي مفتوح . أما استصحاب كل أحكام ذلك الزمان و إنكار أن يكون للوضع الجديد تأثير على مجريات الأمورأو على كيفية تنزيل الأحكام , فهذا هو مصدر الإضطراب و الحيرة و الحرج في دين الله

و لا تكاد تنتهي الأمثلة , فمواقع الأفعال في الوجود لا تنحصر و لابد من النظر الواقعي إلى كل سياق و مقدماته و نتائجه للخروج بنظر شرعي مقاصدي متوازن .

أما أن تنحصر الدنيا بخطاب التكليف و تختزل التكاليف إلى لائحة من الممنوعات و المحرمات , و تترك الأمور في ما وراء ذلك لتكون عملياً خارج إطار الدين و تكاليف الشريعة – و خاصة إذا وقعت هذه الأمور خارج التجربة التاريخية للعلماء الذين دوّنوا فهمهم للشريعة بما قرروه من أحكام مناسبة لحوادث عصرهم – , فإن هذا بعينه هو ما يؤدي إلى علمانية متبجحة بالعقل و المنطق العملي , تحصر الدين في إطار ضيق من العبادات و الطقوس و تطرده من الفضاء الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي و العلمي . و عندها تتمكن الحرفية – التي لا تعجز عن إخراج نص أو حادثة من جعبة التراث – من تصوير الأمور مهما كانت مناقضة لمقتضى النظر الشرعي المقاصدي و كأنها تمثل الرؤية الدينية الأصيلة .

و هنا أود أن أضرب مثالاً عملياً واقعياً لبيان الفساد الذي يعم البلاد و العباد عندما يكون النص الجزئي في مسألة ما هو الذي يطغى على النظر الكلي العملي و العلمي في مسألة خطيرة مثل مشكلة التصحر .

ففي دراسة لفريق من خبراء الأمم المتحدة لمعالجة مشكلة التصحر, توصلت الدراسة إلى أن إعادة العافية إلى البوادي و إعادة الحياة الطبيعية و كل عناصر البيئة من نباتات و حياة حيوانية مرتبطة بها تكمن في إعادة العمل بنظام ” الحِـمى ” و الذي كان معمولاً به طوال عهود ما قبل الإستعمار الأوروبي الحديث . و نظام الحِـمى يخصص مناطق الرعي و يوزعها على القبائل بشكل متوازن , و قد عمل هذا النظام على حماية البادية من ظاهرة الإستئصال بالرعي المسرف الذي يفوِّت الفرصة على إمكانية دوام البيئة و استمرار الحياة فيها .

و قد أثبت الخبراء نجاعة هذا التوجه بتجارب عملية ناجحة أجريت على بعض المناطق في بادية الشام و بوادي الأردن , فعادت هذه المناطق كتلك البوادي الجميلة التي وصفها شعراء الجاهلية و تغنوا بها و هم يصفون مغامرات الصيد و الفروسية .

و لا ينتهي العجب من الحال التي وصل إليها المسلمون في فهم شريعتهم و علاقتها بالحياة عندما يعلم أن من الذين وقفوا في وجه تطبيق نتائج الدراسة لخبراء الأمم المتحدة , ممثلو الكتلة الإسلامية في البرلمان الأردني و كان سلاحهم في موقف الرفض حديث نبوي ” الناس شركاء في ثلاث : الماء و الكلأ و النار ” , حيث يغيب الفهم الكـلي الإجمالي في هذه القضية كما يغيب في غيرها من القضايا , و يغيب الفهم للحديث الذي رواه البخاري ” لا حِـمى إلا لله و رسوله ” و الذي يفهم منه إقرار مبدأ الحِـمى للمصلحة العامة, كما روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حمى النقيع و أن عمر حمى السَّرف و الـرَّبذة .

فعندما لا يكون هناك أي قيمة للواقع العملي و آثاره المدمرة على البلاد و العباد , فأي فتنة في دين الله تزيد على تسمية التجاهل لآلام  العباد و معاناتهم ديناً و دفاعاً عن الشريعة .

أضف تعليق