أخرج البخاري و مسلم عن جابر بن عبد الله قال :
غزونا مع النبي صلى الله عليه و سلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا. وكان من المهاجرين رجلٌ لـعـّاب ( يلعب بالحِراب ) فكسع أنصارياً ( ضربه على قفاه ) فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى الجاهلية ؟ ثم قال ما شأنهم ؟ فأخبر بكسعة الأنصاري فقال النبي صلى الله عليه و سلم : دعوها فإنها خبيثة. فقال عبد الله بن أبي سلول : أقد تداعوا علينا ! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. فقال عمر : ألا نقتل يارسول الله هذا الخبيث ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه. وفي رواية أخرى : دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .
في هذا الموقف يوجهنا الرسول الكريم إلى النظر الواقعي لمـآلات الفعل وعواقب التصرفات ببصيرة تتلمس مواقع القبول في القلوب. فالنبي صلى الله عليه و سلم في هذا الموقف لم يكن يفكر في التشفي والعقوبة لمن أساء الأدب في حقه وجاهر بالتحريض على الفتنة، ولكنه كان مقدراً للعواقب مستغـرَقاً فيما قد تعنيه العقوبة وما تفتحه من إمكانيات التشويش والتهويش ضد المسلمين والتي يتحيّنها المتربصون .
كان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان الناس ومستشعراً لمسؤوليته عن رفع الحواجز والموانع والشبهات التي تقف في طريق وصول الحق إلى القلوب وإذعانها له.
” لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ” هو عنوان لدرس مهم في التوجه و الفهم و العمل. إنه لا بد من امتلاك الرؤية العملية التي تراعي التوجه الكـلي و الصورة الإجمالية لحركة الأمة وصورتها عند الآخرين بشكل يغري بالإقتداء ويرفع الفتنة ويرفع احتمالات سوء التفسير، في مقابلة الإستغراق بالعدل الجزئي في إجرائيات تطبيق الأحكام و شرح تخريجاتها و مبرراتها، بشكلٍ يتجاهل ردود الفعل وامكانيات سوء الفهم عند الناس الذين يمثلون محل الدعوة والبيان.
ومن هذا المنطلق نرى أنه لا بد من مراجعة كثير من الصور التاريخية لتنزيل بعض الأحكام الشرعية لضبطها بأصولها و مقاصدها العامة. فإن تجاهل ثقافة العصر وتجاهل التيارات الفكرية التي تصوغ قناعات الناس وموازينهم للعدل والخير، والجهل بما يمكن أن تعنيه بعض التصرفات أو التأويلات عند الناس في زمان آخر وواقع آخر يؤدي إلى فتنة للناس تبعدهم عن دين الله. وبهذا يكون المسلمون – بفهمهم التاريخي وجهلهم بواقعهم وواقع الناس من حولهم – فتنة للقوم الظالمين . فليست المسألة مسألة خضوع للأهواء ومزاج الناس، بل هي مسألة الوعي بأعراف الناس و طريقة تفسيرهم، حتى نقدم لهم الحق بما يقلل موارد سوء الفهم.
فحكم قتل المرتد عن دينه – مثلاً – عندما يُفهم على أنه توجه للتصفية الجسدية للمخالفين في الرأي وتأصيل للإرهاب الفكري الذي يكتم الأنفاس ويصادر حرية الرأي وحرية النقد والتصحيح، عندها يصبح ترديد هذا الحكم مع الغفلة عن الأصل القرآني المحكم في نفي الإكراه وعما حرره العلماء المحققون كذلك من أن هذا الحكم يتعلق بالمرتد الذي إلتحق بالعدو المحارب في تصرف يندرج تحت عنوان الخيانة العظمى. عندها يصبح تجاهل الفهم المتبادر الشائع في ثقافة العصر وأنظمته الشمولية، فتنةً عن دين الله وصداً للناس عن التفكير الجاد بالإلتحاق والإنضمام إلى أمة الإسلام ومثالاً عملياً لما تخوفه الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم عندما قال : لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .
وعندما يبدئ أعداء الإسلام ويعيدون في اتهام المسلمين بأنهم مطبوعون على الإستبداد والخنوع للإستبداد، مستدلين على ذلك بواقع سياسي متنافر متناحر لمجتمعات المسلمين. يأتي الحديث عن الشورى الُمُعلِمة وأن الشورى لا تلزم الحاكم بشيء، حديثاً فجاً يُنـَفر من الإسلام ومن النظر المحترم للمسلمين. وفي هذه الحالة أيضاً يأتي الحديث عن الشورى المُعلمة مثالاً لما تخوفه النبي الكريم عندما قال : لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
وعندما يكون ظلم المرأة وهضم حقوقها هو التصور السائد عن الإسلام ومجتمعات المسلمين، يصبح الإصرار على اعتماد الأحكام الشرعية كما آلت إليه في كتب المتأخرين في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والنفقة، مع التجاهل لما استجدّ من أعراف والإغضاء عن واقع الظلم والتعسف والمزاجية في تطبيق الأحكام والمنتشر في كثير من بلاد المسلمين، يصبح هذا الأمر كذلك فتنة للناس ومثالاً لما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال : لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .
إن َ الفهم الصحيح لما حذَر منه النبي الكريم يجب ألا يكون دعوة للحديث عن الإسلام بلغة دفاعية إعتذارية تعترف ضمنياً بالتهمة كما يتصورها المتهمون ثم تتحايل لدفعها بتجاهل للواقع ودلالاته وليٍّ للحقائق والتمسك بالفتاوى التي تخاطب واقعاً آخر وثقافة اجتماعية فيها الكثير من الأعراف التي تغيرت وتبدلت ولم يعد لها وجود .
إن الفهم الصحيح لما حذر منه النبي الكريم يتمثل في امتلاك الرؤية الشرعية التي تضع الأولويات بترتيبها الصحيح فتقدم ما حقه التقديم من خصائص الشريعة الخاتمة وأساسيات الإعتقاد والقواعد الحاكمة في القرآن الكريم و السنة النبوية، ثم النظر ببصيرة نافذة إلى ما سيؤول إليه الفهم والتصور في أذهان الناس في عرف ثقافة أبناء هذا العصر في نهاية المطاف.