من الامور الهامة في حياة المسلم، والتي دعا اليها النبي صلى الله عليه و سلم في كثير من الاحاديث لزوم الجماعة. وعندما يتأمل المرء فيما ورد من الأحاديث في هذا المعنى، يستشعر الاهمية البالغـة والضرورة العملية الملحة للزوم الجماعة , حيث يضع النبي هذا الامر تعبيراً عن الالتزام بمنهج الاسلام الكامل والاتباع للسنة المطهرة، ومخرجاً من الازمات والفتن، والاطار الذي يصوغ حياة المسلم العملية ليؤدي دوره وواجبه في الحفاظ على العقيدة والايمان في قلبه، والانطلاق بين الناس مستشعراً واجبه الاجتماعي في تأكيد الهوية الاسلامية للمجتمع، وتأكيد الانتماء للامة المسلمة بهمومها الحاضرة، وتجربتها في الماضي، وتطلعاتها واهدافها في المستقبل .
من خلال هذا الاطار العام لمعنى لزوم الجماعة يصبح من الضروري ان نعمد الى شرح هذا المصطلح الاسلامي – جماعة المسلمين – لنحدد من خلال معانيه وافاقه , واجبات المسلم وما يمليه عليه الامر النبوي بلزوم الجماعة.
ومما يزيد هنا الامر اهمية ان هناك احاديث كثيرة تشدد النكير على مفارقة الجماعة، وتهدده بميتة جاهلية او خلع ربقة الاسلام من عنقه.. فما لم يصل المسلم الى تحديد واضح لمعنى – جماعة المسلمين – فسيكون عرضة للإبتزاز السياسي ممن يدعي تمثيله لتلك الجماعة . و كذلك فإنه سيقع في منزلقات فكرية خطيرة يمكن ان تنتهي بأن تمس الايمان في القلوب وتعرضه للخطر.. فمن قال لمسلم يا كافر، فقد باء بها احدهما.
وعند استعراض ما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الباب نجد ان مصطلح جماعة المسلمين ورد في استعمالات ثلاثة سنعمد الى تحديدها، ثم نعمد الى ذكر بعض النقول عن الائمة والسلف بما يدعم ما ذهبنا اليه في تحديد معنى هذا المصطلح الاسلامي الجامع.
1- جماعة المسلمين هم المسلمون الذين دخلوا في عقد البيعة مع إمام للمسلمين ذي سلطان أي – سلطة تنفيذية – بحيث يستطيع ان يمضي ما يريد ويجمع الامة ويحكمها بما انزل الله، ويقيم الحدود ويحمي الثغور، ويكون مؤتمناً على دماء المسلمين واعراضهم واموالهم وما الى ذلك من وظائف الامام او السلطان او الخليفة.. وقد قرر ابن خلدون: ان الامام اذا لم يستطع ان يمضي رأيه ـ كأن كان مقهوراً او عاجزاً عن التصرف جملة، بالاسر وشبهه ـ فقد فقَدَ شرط السلامة الواجبة في الامام ولا تجب بيعته. وكذلك فقد نقل ابن خلدون انه لم يقل احد بجواز كون الامام إماماً مع انعدام سلطانه اإلا فرقة من الاسماعلية، ممن لا تقوم بهم وبأمثالهم حجة..
ومن هنا تحمل جميع الاحاديث الواردة في الانكار على مفارقة الجماعة على هذا المعنى ـ اي انها تأمر بلزوم طاعة من بايعه الناس إماماً وعدم الخروج عليه لما يجرّ ذلك من الفتنة وسفك الدماء.
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النـبي قال: من رأى من اميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات , إلا مات ميتة جاهلية. قوله فإنه من فارق الجماعة: قيل المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الامير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار شبر، لان الاخذ في ذلك يؤدي الى سفك الدماء بغير حق.. قوله جاهلية: اي كموت اهل الجاهلية حيث لم يعرفوا إماماً مطاعاً.. وليس المراد انه يموت كافراً، بل انه يموت عاصياً.
روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه انه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة ان يدركني. فقلت: يا رسول الله : إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير. فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.. فقلت هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم.. وفيه دخن.. فقلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم.. دعاة على ابواب جهنم من اجابهم اليها قذفوه فيها.. فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: نعم.. قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.. قلت يا رسول الله، فما ترى إن ادركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.. فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ فقال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو ان تعض على اصل شجرة حتى يدركك الموت وانت على ذلك .
وقد جاء التعليق على هذا الحديث انه اذا وقع الاختلاف ولم يكن خليفة فكيف يفعل المسلم من قبل ان يقع الاجتماع على الخليفة؟ قال: حديث حذيفة بين ذلك.. وهو ان يعتزل الناس كلهم ولو أن يعض على اصل شجرة حتى يدركه الموت، وذلك خير له من دخوله بين طائفة لا إمام لهم، خشية ما يؤول من عاقبة ذلك من فساد الاحوال باختلاف الاهواء وبسبب الاراء.
وقد نقل الامام ابن حجر في – فتح الباري -: والمراد بالجماعة اهل الحل والعقد في كل عصر. ويعرّف العلامة ابن خلدون في -المقدمة – اهل الحل والعقد بقوله: ان حقيقة اهل الحل والعقد انما هي لاهل القدرة عليه، فمن لا قدرة له عليه فلا حل له ولا عقد عليه. وقد روى مسلم عن النبي قوله: من كره من اميره شيَا فليصبر عليه، فإنه ليس احد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه.. الا مات ميتة جاهلية.
و في كل هذه النقول يتضح أن الأمن و الإستقرار و وحدة الكلمة أولى و آكد في تحقيق مصالح المسلمين العامة من أية قضية جزئية أو مخالفة محدودة التأثير و العواقب .
2 – جماعة المسلمين هم الطائفة الملازمة للحق من امة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . هذا الحق الذي يمثل الفهم الكـلي الإجمالي الموافق لسنة النبي واصحابه الكرام والموافق لما اجمع عليه علماء الامة ومجتهدوها في المسائل الاعتقادية والمسائل العملية.
سأل ابن الكواء علياً رضي الله عنه، عن السنة و البدعة والجماعة والفرقة فقال: يا ابن الكواء حفظت المسألة فافهم الجواب: السنة واللهِ سنة محمد صلى الله عليه و سلم . والبدعة ما فارقها. والجماعة واللهِ مجامعة اهل الحق وان قلوا، والفرقة مجامعة اهل الباطل ولو كثروا.
وقال ابن القيم رحمه الله في – اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان – ما احسن ما قاله ابو شامة في كتاب -الحوادث والبدع – حيث جاء الامر بلزوم الجماعة. والمراد به لزوم الحق واتباعه. وان كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا لان الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الاولى من عهد النبي واصحابه، ولا نظر الى كثرة اهل البدع.
قال عمرو بن ميمون الازدي: صحبت معاذاً باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , فسمعته يقول: عليكم بالجماعة فان يد الله مع الجماعة.. ثم سمعته في يوم من الايام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها ـ فهي الفريضة ـ وصلوا معهم فإنها لكم نافلة.. قال: قلت يا اصحاب محمد : ما ادري ما تحدثونا؟ قال: و ما ذاك ؟ قلت : تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول صل الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل مع الجماعة، وهي النافلة!! قال: يا عمرو بن ميمون: قد كنت أظنك من أفقه اهل هذه القرية.. تدري ما الجماعة قلت:لا , قال: الجماعة ما وافق الحق وان كنت وحدك.. وفي لفظ اخر فضرب على فخذي وقال: ويحك..ان جمهور الناس فارقوا الجماعة.. وان الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل . وقال نعيم بن حماد: اذا فسدتت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل ان تفسد.. وان كنت وحدك فإنك انت الجماعة حينئذ.
وقد ذكر ابن القيم مثله في – اعلام الموقعين – ثم زاد عليه ما ملخصه وقد جعل بعض الناس السنة بدعة والمعروف منكراً لقلة اهله وتفردهم في الاعصار والامصار.. وقالوا: من شذ شذ في النار، وما عرفوا ان الشاذ من خالف الحق.. فإن كان الناس كلهم الا واحداً خالفوا الحق فهم الشاذون، وذلك الواحد هو الجماعة.
وقد شذ الناس في زمان الامام احمد بن حنبل الا نفراً يسيراً فكان ذلك النفر هم الجماعة، وكان القضاة والمفتون والخليفة واتباعهم هم الشاذين.. وكان الامام احمد وحده هو الجماعة.. ولما لم تتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة، يا امير المؤمنين اتكون انت وقضائك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل واحمد وحده هو على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل ثم ظهر الحق واهله، وبطل ما كانوا يدعون.
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الكرماني قوله: مقتضى الامر بلزوم الجماعة: انه يلزم المكلف متابعة ما اجمع عليه المجتهدون وقد جاء في – عمدة القاري – تعليقاً على حديث حذيفة رضي الله عنه: الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هي جماعة العلماء.. لان الله عز وجل جعلهم حجة على خلقه، واليهم تفزع العامة في دينها وهم تبع لها.
فالجماعة بـمعناها الثاني تتحدد بالأصول الكلية المتفق عليها بين أهل القبلة و المعلوم من الدين بالضرورة . و أما جزئيات الأحكام العملية و التفريعات النظرية فقد اتسعت مرونة الشريعة لتعدد الأفهام فيها و نهت عن الضيق بالمخالف بما يحمل على ظلمه و العدوان عليه .
3 – جماعة المسلمين هم الفئة من امة محمد صلى الله عليه و سلم التي نبذت الفردية في تحركها لتحقيق الاهداف العملية للمسلمين وهم الفئة التي فهمت نداء الله تبارك وتعالى – وتعاونوا على البر والتقوى – فصاغت حياتها على اساس هذا النداء فاستكملت في انفسها الخصائص والميزات التي تعينها على اداء المهمات الجماعية المشتركة بتفاعل وبعد عن الحرج والتشنج من الاختلاف في الاراء والاجتهادات.. وهم الفئة التي فهم كل فرد فيها أهمية التزامه وارتباطه باخوانه في العقيدة ليحتفظ بالايمان في نفسه وليحتفظ باهتمامات العقيدة في قلبه. فالمؤمن ضعيف بنفسه قوي بأخيه وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
وقد خطب امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجابية فقال: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة.. فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين ابعد، ومن اراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة.
وعلى هذا فالجماعة هنا تمثل دعوة للتعاون المثمر ودعوة لإمتلاك مقدمات و مؤهلات العمل الجماعي التي تمكن الفرد من ضم جهوده وتنسيق نشاطه مع اخوانه ليكون الفرد لبنة في بناء وعضواً في جسد يمتلك كل المقدمات الضرورية للتكوين الجماعي بعيداً عن الفردية و الأنانية والانعزالية والتشنج و الحزبية والتشرذم.
ومن الواضح ان الجماعة التي يؤمر المؤمنون بالتزامها في امثال النصوص المذكورة في هذه الفقرة ليست واضحة محددة كما هو الشأن في المعنيين المتقدمين من الجماعة.. وما ذلك الا لان الصيغة الجماعية والمضمون العملي التفصيلي للامر بالتعاون ليس له شكل ثابت ووسائل محددة فذلك يتغير حسب الظروف والاحوال وحسب طبيعة الهدف الذي يتصدى المسلمون لتحقيقه.. وحسب طبيعة – امر المسلمين – الذي يعالجونه ويسعون لحله. ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
وبعد , فإن الفهم الدقيق لمعاني المصطلح الاسلامي – جماعة المسلمين – يضع المْؤمن على طريق واضحة للعمل والتصرف الايجابي السليم بعيداً عن منزلقات الانحراف الاعتقادي والعملي بالنسبة لموقفه من بقية المسلمين .
- إن جماعة المسلمين التي يؤمر المسلمون بالتزامها ويأتمون ان فارقوها هي جماعة لا وجود لها بغير الامام المسلم ذي السلطان الذي اجتمع عليه امر المسلمين بعـقـد البيعة الشرعية.
- وإن جماعة المسلمين التي تضم كل من سلمت عقيدته من الانحراف وسلمت مواقفه من الزلل.. يندرج كل مسلم تحت لوائها ما دام معتقدا بما اجمع عليه العلماء والمجتهدون من اهل السنة والجماعة.
- وإن العمل الجماعي والتعاون على ما فيه خير المسلمين واجب كذلك، فلا يملك من امن بالله ورسوله وانتمى بعقله وقلبه وعواطفه الى امة الاسلام الا ان يهتم بمشكلات المسلمين الكبرى ويتصدى لحلها بعيدا عن الفردية ومستشعراً للطبيعة الجماعية لجهود اعداء الاسلام في محاولتهم لاستئصاله، فلا يجد بداً من مقابلة الاعداء المجتمعين بوسائل مكافئة تقف باقتدار لمواجهة تخطيط اعداء الاسلام في جهودهم ووسائلهم.
إن جماعة المسلمين التي تضم المسلمين على امير واحد ذي سلطان تمثل هدف المسلمين البعيد الذي يجب ان تنصب عليه كافة اعمالهم وجهودهم.
إن جماعة المسلمين المتمثلة بأهل السنة والجماعة وما اجمع عليه العلماء والمجتهدون من هذه الامة.. تمثل العدة الفكرية والاعتقادية لبلوغ هدفها السابق في تحقيق الامامة الراشدة.
وان جماعة المسلمين المتمثلة في العمل الجماعي المتعاون على نقاط الاتفاق والاهتمام بأمور المسلمين العامة.. تمثل الوسيلة العملية والطريقة التي نسير بها لبلوغ اهدافنا العملية في الاحتفاظ بالهوية والانتماء الاسلامي لهذه الامة والوصول بها الى الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.