طــوبـى لـلــغـربــاء

(  بدأ هذا الدين غريباً و سيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء ). رواه مسلم

لابد لفهم معنى الحديث النبوي، من تحديد معنى الغربة و مقتضياتها ليرسم كلام النبوة بعد ذلك أهم معالم الشخصية المؤمنة و أهم صفات القلب الذي يستشعر العبودية لله و خضوعه له.

فالغربة هي الشعور بالوحشة والإنقباض يعتري القلب والنفس عندما تحيط بالمرء ظروف وأوضاع لا تناسبه أو لا تنسجم مع ثقافته وأسلوب حياته. والغربة كذلك هي الشعور الفياض بالحنين و الشوق لأجواء حبيبة يتصورها المرء و لا يعيشها، و يفكر فيها ولا يجدها في واقع الحياة.

و الغربة هي ذلك الشعور بالتوحد و الإنفراد يستشعره من علت همته بين قوم ارتضوا الإنشغال بسفاسف الأمور، و يستشعره من تذوق حلاوة الحق وأبصر أنواره بين قوم غشت ضمائرهم الشهوات والجهالات وأعمت أبصارهم الشبهات ، فليس يجد بينهم من يستشعر معه الإطمئنان والراحة والتوافق والإنسجام.

فالغرباء هم الذين تمسكوا بدينهم و التزموا بمقتضيات عقيدتهم و لم يؤثر في تمسكهم و التزامهم وحشة تنأى بهم عن الأنس بالناس و انفرادٌ يثيرون به استغراب الحمقى و استنكار الرعاع.

لقد بدأ هذا الدين غريباً عندما أنزله الله هدىً للناس وسط جاهلية جهلاء و عصبية عمياء، فكان نبينا صلى الله عليه و سلم و كان صحابته من حوله المثل الأعلى لكل غريب فارق الناس بايمانه و وجهته و اهتمامه، و إن عايشهم في الوطن و الديار.

لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته من حوله غرباء حين كانوا في دار الأرقم لا يبلغون الأربعين، يلتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم يأخذون عنه دينهم يعبدون الله مستخفين. و لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته من حوله غرباء عندما جهروا بدعوتهم فاستقبلتهم ألسنة الناس بالإيذاء والتكذيب والإستهزاء. واستقبلتهم نظراتهم بالإستغراب والإزدراء في خضم جاهلية استشرت و عمّت و تمكنت من النفوس. و لكن الصحابة الكرام لم يركنوا إلى الضعف ولم يبالوا بالعناد و واجهوا الجاهلية باستعلاء الإيمان.

و كان شعور الغربة في نفوس أولئك الغرباء، وشعور التميز بما أكرمهم الله به من إيمان، هو الذي أزكى في قلوبهم شعلة الجهاد و حمية البلاغ و الدعوة، فلم يركنوا إلى قرابة حرصوا على إدامة ودها، و لم يطمئنوا إلى دنيا أيقنوا أنهم مرتحلون عنها، فحنت نفوسهم إلى ريح الجنة و كرامة الشهادة.

إن شعور الغربة هو الذي يحفظ على المؤمن تمسكه بدينه و عقيدته حين يعود الإسلام غريباً كما بدأ، حين يصبح المؤمنون به و الملتزمون لحدوده قلّةً لا يأمنون على أنفسهم. وحين ينصرف السواد الأعظم من البشر عن تعاليمه وقيمه وهديه،  وحين يصبح المسلم منفرداً لا يجد من العامة مساعداً و لا معيناً، فهو عالم بين جهال و صاحب سنة بين أهل بدع وداعٍ إلى الله و رسوله بين دعاة إلى الأهواء و الشهوات، آمر بالمعروف و ناهٍ عن المنكر بين قوم أصبح المعروف عندهم منكراً و المنكر معروفاً.

فالغريب بالحق يجد أنسه بالله و يطمئن قلبه لذكر الله ويعيش في معية الله فلا تؤلمه الوحشة من الناس ولا يجد لذة في الأنس بالناس فقد ملأ الإيمان قلبه ومشاعره فلم يبالِ بعد ذلك فقد شيء.

إن شعور الغربة و ما يعنيه بالنسبة إلى المسلم من الإعتزاز بالحق والإستعلاء بالإيمان، هو الذي يمنع المرء من الوقوع في عقلية من ينتظر القبول من الناس حتى يرضى عن نفسه، كما يفعل المبهورون المنهزمون. فهو واثق من قيمه ومبادئه و لا يبالي أقَبِل الناس به أو عذلوه وأقصوه. فليس سخط الناس بالذي يحمله على ترك ما عرفه بالدليل والبرهان وما تيقن أنه الإستجابة الجادّة الملتزمة بالخضوع للحق و الهدى والصلاح.

فالغريب منشغل بتزكية نفسه واكتساب ما يستطيع من مهارات الكفاية بأوسع معانيها وآفاقها، وما يجعله قادراً على القيام بواجب الوقت بكفاءة مهما يكن المجال الممكن ضيقاً محصوراً. ولكنه لا يحصر ما يكتسبه من مهارات بالممكن في لحظة أو فترة. ولا يجعل الممكن في الوقت واللحظة نهاية المطاف في الإعداد والإستعداد يحدوه أمل وثقة بفضل الله يعمل لإكتساب خبرات ومهارات التمكين ويعلم أن التمكين بيد الله يمن به على من يعلم أنه مؤتمن على دين الله بصبره وثباته وجديته في الأخذ بدين الله بقوّة.

والغريب يجد أنسه في كتاب الله تلاوةً وفهماً وتدبراً. و الغريب يجد متعته كذلك في صحبة كتاب يتواصل من خلاله مع عطاء أجيال من العلماء والمفكرين الذين دوّنوا خلاصة خبراتهم وتجاربهم فيستغني بها عن بذل الجهد في اكتشاف ما سبق إليه الأولون، و يظفر بالمعرفة التي لا ينالها الكسالى الذين لا يقرؤون.

وما أشد وما أقسى غربة المؤمن حين يجد نفسه بين مسلمين ملتزمين بالعبادات والشعائر ولكنهم يستبطنون صبغة الحياة المادية الغربية التي تجعل الحياة مضمار تنافس وتسابق على الإقتناء والإستهلاك ومغالاة في اعتصار المتعة واللذة وإعلاء شأنها. والتكاثر و التفاخر بالزينة وعلامات الفخامة و الأناقة في خضوع مذل لثقافة النظام العالمي الفاجر الذي يستنزف الخيرات والموارد و يعمل على توسيع الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء. ما أشد غربة المؤمن بين قوم تبلدت مشاعرهم تجاه الظلم والمعناة وغطت بصائرهم دعاية الزور فلم يروا عوار الحضارة السائدة وظنوا أن صور العبادات والشعائر تكفيهم وترفع عنهم إثم الرضا بالباطل والإستكانة للظالمين.

إن غربة صاحب الحق بين أهل الباطل هي التي تحمل المرء على الإعتزاز بالإسلام وأهله، والكراهية والنفور من الباطل و أهله. و هي التي تحمل المرء على الإلتحام مع كل ما يربطه و يقربه إلى أهل الحق الذين شاركوه غربته. و في الأثر : ” لا تصاحب إلا مؤمناً ، و لا تجالس إلا من تذكرك بالله رؤيته، و يزيد في علمك منطقه، و يرغبك في الآخرة مجلسه. ”

إن شعور الغربة بالحق بين أهل الباطل يمنع المرء أن يخالط الناس و يغشى نواديهم راضياً مشاركاً بما يتورطون به من فسوق و استهزاء بآيات الله طمعاً في رضاهم و رغبة في العزة بهم. و هو في ذلك يحذر أن يكون من المنافقين الذين قال الله فيهم ( بشّر المنافقين بأن لهم عذاباً أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً. و قد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها و يستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذاً مثلهم، إن الله جامع المنافقين و الكافرين في جهنم جميعاً ). إن مجالسة المستهزئين بآيات الله الذين اتخذوا دينهم هزواً و لعباً مع السكوت عن سفاهتهم  هو أول مراتب النفاق الذي يفقد القلب حميته لله و اعتزازه بدين الله و نفوره من الإجتراء على محارم الله.

و في نهاية المطاف لا بد أن يتذكر الغرباء أن التواضع والتلطف بالناس والإدراك لمجالات المشترك الإنساني والثقة بالفطرة مهما غشتها الضلالات والإنحرافات، يفتح باب الأمل لعودة الشاردين بعد أن أثبت الغرباء أنهم جديرون بالتمكين مؤتمنون على الهدى لم يخدعهم علو الباطل ولم يشعروا تجاهه بالهوان والصغار.

أضف تعليق