التفوق والإنجاز

التفوق والإنجاز

عندما يفتخر الأذكياء والمتفوقون بإنجازاتهم و مساهماتهم فإن هذا يثير الإحترام والإعجاب والتقدير، فالنجاح مرتبط  دائماً بالدأب و المثابرة والصبر والثبات والمغامرة. أما الكسل وخور العزائم فمرتبطة دائماً  بالفشل والإخفاق. فما أجمل أن يسمع المرء من الأذكياء والمتفوقين  خطاب شحذ العزائم واستنهاض الهمم والإستنفار لمعالي الأمور. ولكن هذا الخطاب على ضرورته وأهميته قد يؤول إلى عكس ما يرجوه صاحبه من الحفز والتشجيع، وتكون نتيجته مزيداً من الإحباط والشعور  باليأس وبالدونية والعجز والإستخذاء.

لا بد من معرفة المخاطبين وتقدير الواقع الذي يعيشونه، لإستنهاض همتهم للتحرك إلى العمل والعطاء من النقطة التي يقفون عندها ومن الحال الذي يمتلكون فرصه وإمكانياته، أو الحال الذي يكابدون ويعانون ظروفه ومشكلاته. فخطاب التحفيز والتشجيع حين يتجاهل حال المخاطبين و واقعهم ينقلب إلى رسالة تحرك مشاعر الخيبة والحسرة والعجز والإحباط.

عندما يطالعنا الأذكياء والمتفوقون من المسلمين عبر مقاطع مسجلة في وسائل التواصل الإلكترونية ليشرحوا ما وصلوا إليه من تبوّء مراكزعلمية أو إدارية في مؤسسات وشركات غربية ضخمة أو ما توصلوا إليه من ابداع واختراع، فإن هذا ولا شك يساهم في تحدي الصورة النمطية السلبية التي يصورها الإعلام الغربي المتحيز ضد الإسلام والمسلمين. ويثير مشاعر الفخر والإعتزاز بما قام به مسلمون ملتزمون من إنجازات ومساهمات. إن رسالة التشجيع والتحفيز مفهومة تماماً عندما توجه هذه المقاطع إلى المسلمين المقيمين في بلاد الغرب وهم يمتلكون فرصة التأهيل العلمي والمهني . ولكن المشكلة أن أكثر من يشاهد هذه المقاطع في بلاد المسلمين يستقبل رسالة مختلفة تماماً. إنها رسالة الإحباط والشعور بالعجز والهوان لما تعانيه شعوب البلاد المسلمة من القهر والإستبداد والفساد حيث تعمل سياسات الدول في الداخل والخارج على حراسة التخلف والدفع بعملية هجرة العقول إلى أقصاها.

إن من أهم سلبيات المقاطع التي تتحدث عن إنجازات المسلمين في بلاد الغرب هي تلك الرسالة المستترة التي توحي أن ما يستحق التكريم والإشادة والإحتفال هي المساهمات في نموذج الحياة الغربي الذي يوجه إبداعات الإنسان وأولوياته و مزاجه الإستهلاكي .

لا بد من التنبيه إلى أن الذين يعملون بدأب وصمت على امتلاك المهارات والعمل على تأمين الكفايات الضرورية لإستمرار الحياة الكريمة للأمة، هم الذين يستحقون التكريم والإشادة والإعتراف بالفضل. وإن غياب هذا الأمر في ثقافة الأمم والشعوب يمثل البداية للإنهيار والقابلية للخضوع والإنكسار.

   لقد خاطب القرآن الكريم المؤمنين بعد القرح الأليم الذي أصابهم في معركة أحد بقوله :

” وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” ليرشدهم إلى البداية الصحيحة في معالجة أي أمر. فالمؤمن يستشعر العزة و الإستعلاء بالإيمان و قيم الإيمان وليس بامتلاك أي أمر آخر. وأول ما يجب على المؤمنين أن يتذكروه هو موقعهم من الكون وخصوصية دورهم الموكل إليهم في بيان الهدي الرباني الذي تزكو به الحياة ويتأصل به الخير. فقيمة المؤمن في نفسه تنطلق من معرفته قيمة الحق الذي كُـلِّف ببيانه و تمثيله وإبرازه، و ليس من مقدار القوة ومدى التمكين الذي يتمتع به. فالقوة والتمكين يتداولها الناس بقدر رباني تحكمه سنن التدافع والتداول. ومن الخطأ أن يربط المؤمن بين التمكين وبين امتلاك الحق و المشروعية. ومن الخطأ أن يغفل المؤمن عن مصدر اعتزازه واستعلائه المتمثل بالإيمان وقيم الإيمان والحق والخير.

لا بد من تحديد الوجهة ومجال العمل والإنجاز ومعيار الإعتزاز والإستعلاء، حتى لا نقع في ما سماه الدكتور المسيري رحمه الله – الإختراق الثقافي – حين تخضع الأمة طواعيةً لمقاييس غريبة عن هويتها الحضارية و وظيفتها الكونية، وتستبطن توجهات الإنجاز وتحصر مجالات الريادة والإبداع في ما يصب في خدمة نموذج حضاري مفارق لمنظومة القيم الإنسانية ولا يعتبر الأولويات التي يجب على المسلم أن يتحراها في نشاطاته الفكرية و العملية.

فالذين يبعثون برسائل الفخر بالتفوق والإنجاز ويوحون عن غير قصد أنه منحصر ضمن نموذج الحياة الغربي، والذين يتلقون تلك الرسائل بتلهف من قال ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ) لا بد أن يدركوا أن الذين أوتوا العلم ينذرونهم بالويل والهلاك (ويلكم ثواب الله خير) فالذين أوتوا العلم يعرفون أن قارون هذا العصر لا يكتفي بابراز الزينة بل يريد تجريد الأمم والشعوب من كل عناصر الكفاية والإستقلال وسرقة مواردهم المادية والبشرية على حد سواء.

أضف تعليق