يشعر المرء بشيء من الغموض و الإضطراب عندما يقارن بين تعريف الفقهاء للسنّة حين جعلوا السنة هي ما يقابل الفرض أو الواجب حيث يثاب فاعلها و لا يعاقب تاركها ، وبين الآيات و الأحاديث النبوية التي تساق لبيان أهمية المحافظة على السنة. فالفقهاء في تعريفهم للسنة يعتمدون على معنى الحديث المشهور أنه – جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَإِذَا هو يَسْأَلُهُ عَنِ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : وصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: وذَكَرَ له رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يقولُ: واللَّهِ لا أزِيدُ علَى هذا، ولَا أنْقُصُ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أفْلَحَ إنْ صَدَقَ.
فالتطوع أمر مرغوب و مستحب و له من الثواب و المكافأة ما بينه الحديث القدسي المشهور ( وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ). فالتكاليف الشرعية عند الفقهاء تدور بين فريضة واجبة ضمن الرسول صلى الله عليه و سلم الفلاح لمن صدق في أدائها ( أفلح إن صدق ) ، وبين نافلة تطوعية لا لوم و لا تثريب على من تركها و لم يتطوع بأداء شيء منها. و تكمن المشكلة في تعريف الفقهاء حين جعلوا السنّة مساوية للنوافل التطوعية التي لا يعاقب تاركها. و لا يخفى أن تعريف الفقهاء يلقي بظلال التهاون و التراخي على مفهوم اتباع السنة ، ولا يستقيم مع النصوص الآمرة باتباع النبي و أحكامه و قضائه وسلوكه مع ربط ذلك بصدق الإيمان في مثل قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) و قوله ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) و قوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) و قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ).
و لا شك أن الفقهاء لم يقصدوا أن يثبطوا الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم و اقتفاء آثاره، وكان ذلك منهم اصطلاحاً علمياً لم يحمل في عصورهم ما وصل إليه الناس من تهاون في الأزمنة اللاحقة، وقد أجمع الفقهاء على أن ماورد من أقوال النبي وأفعاله وتفريره وسيرته هي مصدر للتشريع وبيان الأحكام بعد القرآن.
و مما يزيد أمر تعريف السنة النبوية إلتباساً ما يتأصل ويتأكد في خطب و مواعظ الخطاب الديني من تسوية معنى السنة بهيئات و آداب و فضائل من أقوال و أفعال للنبي صلى الله عليه وسلّم يقع جميعها تحت تعريف المندوب و المستحب الذي يثاب فاعله ولا يأثم تاركه. وزيادة على ذلك فأن كثيراً من الهيئات و الآداب – خارج نطاق العبادات و الشعائر – يقع ضمن الوسائل والظروف و معطيات بيئة المدينة في عهد النبوة.
ولذلك كان من الضروري إستنقاذ معنى السنّة من الإختزال الذي لا تستقيم معه النصوص الآمرة باتباع السنة أوالنصوص التي تربط البعد عنها بالضلال أو الهلاك. فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( خَلَّفتُ فِيكمْ شَيئينِ لنْ تَضِلُّوا بعدَهُمَا : كتابَ اللهِ و سُنَّتِي ) و قوله ( قدْ تركتُكمْ على البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ، ومنْ يعشْ منكمْ فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكمْ بما عرَفْتمْ منْ سنتِي، وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، عضُّوا عليها بالنواجذِ ) .
و من هنا كان السؤال الذي نحاول الإجابة عنه في هذا المقال : ما هي السنة التي لا يزيغ عنها إلا هالك ؟
وإذا بدأنا بالمعنى اللغوي للسنة نجد أنها تعني الطريقة و العادة و السيرة. فسنة النبي صلى الله عليه وسلّم هي طريقته و معالم شخصيته و سيرته في معالجة أمور حياته، و التي يمكن أن نضعها في سمات عامة و توجهات جامعة تستوعب مجالات الإقتداء و التأسي وتستوعب كذلك آحاد النصوص التي وردت عنه صلى الله عليه وسلّم من أقوال و أفعال و تقريرات. و نقول عندها باطمئنان أن من تنكب هذه السنة بسماتها و توجهاتها هالك و متعرض للضلال .
الربانية:
كان صلى الله عليه وسلّم ربانياً بمعنى أن كل شيء في حياته و حركاته و سكناته يذكّـره بالله عزّ و جلّ. فقد استولى معنى التوحيد على قلبه فلم يعد يرى و يستشعر من الكون حوله إلا تجليات الله سبحانه بأسمائه و أوصافه. و يعجب المرء من كثرة النصوص الواردة عنه صلى الله عليه وسلّم في الأذكار التي كان يرددها في كل حال من أحواله ، وكل هذه الأذكار تعبير عن مركزية التوحيد و مركزية الخضوع لله وحده. و تعبير عن الإستجابة اللازمة عند مطالعة تجليات الله سبحانه . فلا تخلو لحظة من حياته صلى الله عليه وسلّم من ذكر يؤكد هذه الإستجابة الواجبة على العبيد في حق الله سبحانه. فحال النوم و الإستيقاظ، و حال الأكل و الشرب، و حال السفر والركوب و النزول و حال العسر و اليسر و الصحة و المرض، و نزول المطر و تقلب الليل و النهار و كثير غيرها من الأحوال و المواقف ، تذكر العبد بالخالق المتفـرّد بالخلق و الأمر فينطلق اللسان ثناء على الله بما هو أهله. و يستشعر القلب وجود الله و رحمته و لطفه وقيوميته خضوعاً ومحبة وتعظيماً و خوفاً و رجاءً و دعاءً و توكلاً. إن سمة الربانية في شخصية النبي صلى الله عليه وسلّم أمر لا يمكن تجاوزه عندما نذكر السنة و لزوم اتباعها، فالأمر يتعلق بحقيقة الإيمان و ليس بنوافل التطوعات التي لا تثريب على تاركها، بل إن ترك هذه السمة في حياة المؤمن يعرضه لتهديد الله سبحانه ( و من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين ) ولهذا نستطيع أن نجزم أن هذه السمة – السنة – لا يزيغ عنها إل هالك.
الأخلاقية:
كان النبي صلى الله عليه وسلّم يتمتع بشخصية أخلاقية جمعت من الكمالات البشرية ما لم يحظ به أحد من خلق الله. و بلغ صلى الله عليه وسلّم من هذه الكمالات في شمولها وعمقها ما يجعله رمزاً للكمال الإنساني يقتبس الناس من تنوع مجالاته ما شاء الله لهم من الخير. لقد شهد الله سبحانه بعلوّ قدره صلى الله عليه وسلّم في أخلاقه وشرف نفسه بقوله سبحانه ( و إنك لعلى خلق عظيم ). وشهد له سبحانه بأنه صلى الله عليه وسلّم (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) و شهد له قومه بأنه الصادق الأمين، و شهدت له زوجه خديجة رضي الله عنها عندما قالت : كَلّا واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ. و كان صلى الله عليه وسلّم يقدّر حسن الخلق و مكارم الأخلاق و يشيد بفضل من تحلّى بها من الناس و كان يقول ( إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ ). و كان يقول ( ما من شيءٍ يُوضَعُ في المِيزانِ أثْقلُ من حُسْنِ الخُلُقِ ، وإنَّ صاحِبَ حُسنِ الخلُقِ ليَبلُغُ بهِ درَجةَ صاحِبِ الصَّومِ والصلاة )ِ. هذا بالإضافة إلى طائفة كبيرة من أحاديثه عليه الصلاة و السلام التي توجه إلى آحاد الأخلاق و مكارمها حسب ما يقتضيه حال السائل أو ما تقتضيه المواقف من توجيه و إرشاد. فالرحمة و الحلم و العفو و التواضع و الرفق و السماحة و الكرم و النظافة و العدل والإعتدال و اللطف و محبة الخير و رعاية الضعيف و المسكين و كثير غيرها ، كانت من معالم شخصيته و سمت حياته صلى الله عليه وسلّم. فالنظر إلى هذا السمت الشريف من شخصيته صلى الله عليه وسلّم يجب أن لا يختزل إلى أعمال تطوعية يؤجر فاعلها و لا يعاقب تاركها . بل يجب أن تؤخذ على محمل الجد الذي نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلّم ( إن أحبكم إليّ و أقربكم مني في الآخرة محاسنكم أخلاقاً، و إن أبغضكم إليّ و أبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقاً ، الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ) .
البساطة والزهد والبعد عن التكلف:
كان صلى الله عليه وسلّم يعيش حياة البساطة، يبتعد عن تكلّف التنعم والترفه ويرضى بالقليل و ينفق مما تيسر راضي النفس غير متطلع إلى مزيد من متاع الدنيا. و كان يقول ( كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيل ) . و رغم طبيعته الراضية الزاهدة صلى الله عليه وسلّم كانت توجيهات القرآن الكريم تؤكد سمت البساطة والرضى بقوله تعالى ( لا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و أبقى ). و قد ورد في الحديث الصحيح أنه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ نام على حَصيرٍ فقامَ وقد أثَّرَ في جنبِهِ ، فقُلنا يا رسولَ اللَّهِ لوِ اتَّخَذنا لَك وِطاءً فقالَ : مالي ولِلدُّنيا ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكِبٍ استظلَّ تحتَ شجَرةٍ ثمَّ راحَ وترَكَها ). و قد أمر الله تعالى نبيه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يأخذ أهله بما أخذ به نفسه من الزهادة و البعد عن الزينة عندما طلب أزواجه نصيباً مما أفاء الله على رسوله من الفيء فقال ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنّ تردنَ الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكنّ و أسرحكنّ سراحاً جميلاً ). و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقول لأصحابه ( ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنْ أخْشَى علَيْكُم أنْ تُبْسَطَ عـلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُلْهيكُمْ كما ألْهَتْهُم )ْ. و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لا يتميز عن أصحابه بعلامة ولا سمة أو إشارة أمارة و زعامة و قد روى البخاري ( بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ علَى جَمَلٍ، فأناخَهُ في المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قالَ لهمْ: أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَّكِئٌ بيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأبْيَضُ المُتَّـكئ. . .الحديث )
و قد استعاذ النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من الفقر واستعاذ من جهد البلاء فلم يكن زهده تزكية للفقر و دعوة لتحريم الطيبات و لكن زهده صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان توجيهاً لمعالي الأمور واستعداداً لمتطلبات الدعوة و الجهاد و تنبيهاً إلى خطورة التكاثر و التنافس على المتاع والتفاخر بالزينة و التأنق، و تشجيعاً على خلق الصبر و الإحتمال لمتطلبات الدعوة و الجهاد . إن زهد النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان خلقاً و سمة بارزة و طريقة للتعامل مع متطلبات التكافل والنظر إلى حقوق الضعفاء و المساكين كأهم ما يتجلى به صدق الإيمان . فالبساطة و الزهد و البعد عن التكلف ليس عملاً تطوعياً يؤجر فاعله و لا تثريب على من تركه بل هو خلق أصيل و سمة بارزة في شخصية النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لا يزيغ عنها إلا متعرض للهلاك و الفتنة وانحلال العزيمة عن معالي الأمور.
الجدية في نشر الهداية:
من أوائل ما نزل من القرآن قول الله تعالى آمراً نبيه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ( قم فأنذر ) . و منذ تلك اللحظة استولت فكرة استنقاذ الناس من الضلالة على قلب النبي الكريم إلى الحد الذي كان يؤرقه ويزعجه حتى تكرر في القرآن الكريم نصح النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ألا يهلك نفسه شفقة عليهم و رحمة بهم فهم قد اختاروا الضلال و هم المسؤولون عن اختيارهم وكفرهم. فقوله تعالى ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) و قوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) و قوله تعالى ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) و قوله ( فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) و قوله ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين )، كل ذلك و أمثاله في القرآن الكريم فيه دلالة واضحة على تمكن سمة الجدية واستشعار المسؤولية عن هداية الناس و إرشادهم لما فيه صلاحهم و خيرهم في الدنيا و الآخرة. و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقول ( مَثَلِي ومَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نارًا، فَجَعَلَ الجَنادِبُ والْفَراشُ يَقَعْنَ فيها، وهو يَذُبُّهُنَّ عَنْها، وأنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِن يَدِي ) .و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لا يترك فرصة للتعليم و الإرشاد و التزكية و النصيحة و لإقراء القرآن كما يدل على ذلك ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال : ( كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كُلِّهَا كما يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ؛ ). إن سمة الجدية في نشر الهداية واستنقاذ الناس من ورطة الجهل والضلال و الكفر هي السمة التي تمثلها أصحاب رسول الله حين انساحوا في الأرض مع حركة الجهاد فأقبل الناس على ددين الله أفواجاً و تأسست مراكز التعليم و استقر الإسلام في البلاد التي وصلها الصحابة الكرام ببركة ما أكرمهم الله به من اقتفاء سنة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وهديه و طريقته في الحياة .
التعامل السنني مع واقع البيئة العربية و عناصرها
اختار الله سبحانه نبيه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من بيت من بيوت العرب التي تتمتع بالمكانة و الشرف و ذلك لأن الله سبحانه يعلم من طبيعة العرب و أخلاقهم و عوائدهم ما يجعلهم لا يأنفون من اتباع من عرفوا مكانته و مكانة عشيرته في قومه. لقد كان قول الله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) باباً واسعاً للمتأملين في حكمة الإختيار الرباني لمحمد صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ و قبيلته قريش و بلدته مكة حيث ساهمت هذه العوامل في قبول العرب للدعوة و استجابتهم لها ولم يأنفوا من اتباع من عرفوا منزلته في أعرافهم و عوائدهم. و المتأمل في سيرة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَو خطوات نشر دعوته و مراحل مواجهة المكذبين المنكرين يجد أنه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان يتصرف بحكمة العارف لسنن الله في خلقه و العارف لأعراف قومه و عناصر بيئة العرب في جزيرتهم و ما حولها. فكان كل توجيه لأصحابه زيادة في امتلاكهم لمقومات الثبات و عناصر القوة و المنعة و تمهيداً لمزيد من التمكين. و قد كتب الدكتور عماد الدين خليل كتاباً ينعوان ( دراسة في السيرة ) بين فيه أن كل خطوة من سيرته عليه الصلاة و السلام كانت مشتملة على كل عناصر وامكانيات النجاح المتاحة في بيئته و عصره حيث لم يفته توظيف كل شيء حتى أرجل الغنم تعفّـي على آثار أسماء ذات النطاقين و هي تأتي بالزاد و أخبار قريش للمهاجرَين الكريمَـين. إن هذا النظر إلى سيرة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في التزامه الصارم لمقتضيات عالم الأسباب و المعرفة الدقيقة لمواهب الناس و طبائعهم، و المعرفة الدقيقة بأحوال العالم في جزيرة العرب و ما وراءها، و التعامل مع كل ذلك بحكمة القائد البصير، هو السنة التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
يشعر المرء بشيء من الغموض و الإضطراب عندما يقارن بين تعريف الفقهاء للسنّة حين جعلوا السنة هي ما يقابل الفرض أو الواجب حيث يثاب فاعلها و لا يعاقب تاركها ، وبين الآيات و الأحاديث النبوية التي تساق لبيان أهمية المحافظة على السنة. فالفقهاء في تعريفهم للسنة يعتمدون على معنى الحديث المشهور أنه – جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَإِذَا هو يَسْأَلُهُ عَنِ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : وصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: وذَكَرَ له رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يقولُ: واللَّهِ لا أزِيدُ علَى هذا، ولَا أنْقُصُ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أفْلَحَ إنْ صَدَقَ.
فالتطوع أمر مرغوب و مستحب و له من الثواب و المكافأة ما بينه الحديث القدسي المشهور ( وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ). فالتكاليف الشرعية عند الفقهاء تدور بين فريضة واجبة ضمن الرسول صلى الله عليه و سلم الفلاح لمن صدق في أدائها ( أفلح إن صدق ) ، وبين نافلة تطوعية لا لوم و لا تثريب على من تركها و لم يتطوع بأداء شيء منها. و تكمن المشكلة في تعريف الفقهاء حين جعلوا السنّة مساوية للنوافل التطوعية التي لا يعاقب تاركها. و لا يخفى أن تعريف الفقهاء يلقي بظلال التهاون و التراخي على مفهوم اتباع السنة ، ولا يستقيم مع النصوص الآمرة باتباع النبي و أحكامه و قضائه وسلوكه مع ربط ذلك بصدق الإيمان في مثل قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) و قوله ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) و قوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) و قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ).
و لا شك أن الفقهاء لم يقصدوا أن يثبطوا الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم و اقتفاء آثاره، وكان ذلك منهم اصطلاحاً علمياً لم يحمل في عصورهم ما وصل إليه الناس من تهاون في الأزمنة اللاحقة، وقد أجمع الفقهاء على أن ماورد من أقوال النبي وأفعاله وتفريره وسيرته هي مصدر للتشريع وبيان الأحكام بعد القرآن.
و مما يزيد أمر تعريف السنة النبوية إلتباساً ما يتأصل ويتأكد في خطب و مواعظ الخطاب الديني من تسوية معنى السنة بهيئات و آداب و فضائل من أقوال و أفعال للنبي صلى الله عليه وسلّم يقع جميعها تحت تعريف المندوب و المستحب الذي يثاب فاعله ولا يأثم تاركه. وزيادة على ذلك فأن كثيراً من الهيئات و الآداب – خارج نطاق العبادات و الشعائر – يقع ضمن الوسائل والظروف و معطيات بيئة المدينة في عهد النبوة.
ولذلك كان من الضروري إستنقاذ معنى السنّة من الإختزال الذي لا تستقيم معه النصوص الآمرة باتباع السنة أوالنصوص التي تربط البعد عنها بالضلال أو الهلاك. فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( خَلَّفتُ فِيكمْ شَيئينِ لنْ تَضِلُّوا بعدَهُمَا : كتابَ اللهِ و سُنَّتِي ) و قوله ( قدْ تركتُكمْ على البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ، ومنْ يعشْ منكمْ فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكمْ بما عرَفْتمْ منْ سنتِي، وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، عضُّوا عليها بالنواجذِ ) .
و من هنا كان السؤال الذي نحاول الإجابة عنه في هذا المقال : ما هي السنة التي لا يزيغ عنها إلا هالك ؟
وإذا بدأنا بالمعنى اللغوي للسنة نجد أنها تعني الطريقة و العادة و السيرة. فسنة النبي صلى الله عليه وسلّم هي طريقته و معالم شخصيته و سيرته في معالجة أمور حياته، و التي يمكن أن نضعها في سمات عامة و توجهات جامعة تستوعب مجالات الإقتداء و التأسي وتستوعب كذلك آحاد النصوص التي وردت عنه صلى الله عليه وسلّم من أقوال و أفعال و تقريرات. و نقول عندها باطمئنان أن من تنكب هذه السنة بسماتها و توجهاتها هالك و متعرض للضلال .
الربانية:
كان صلى الله عليه وسلّم ربانياً بمعنى أن كل شيء في حياته و حركاته و سكناته يذكّـره بالله عزّ و جلّ. فقد استولى معنى التوحيد على قلبه فلم يعد يرى و يستشعر من الكون حوله إلا تجليات الله سبحانه بأسمائه و أوصافه. و يعجب المرء من كثرة النصوص الواردة عنه صلى الله عليه وسلّم في الأذكار التي كان يرددها في كل حال من أحواله ، وكل هذه الأذكار تعبير عن مركزية التوحيد و مركزية الخضوع لله وحده. و تعبير عن الإستجابة اللازمة عند مطالعة تجليات الله سبحانه . فلا تخلو لحظة من حياته صلى الله عليه وسلّم من ذكر يؤكد هذه الإستجابة الواجبة على العبيد في حق الله سبحانه. فحال النوم و الإستيقاظ، و حال الأكل و الشرب، و حال السفر والركوب و النزول و حال العسر و اليسر و الصحة و المرض، و نزول المطر و تقلب الليل و النهار و كثير غيرها من الأحوال و المواقف ، تذكر العبد بالخالق المتفـرّد بالخلق و الأمر فينطلق اللسان ثناء على الله بما هو أهله. و يستشعر القلب وجود الله و رحمته و لطفه وقيوميته خضوعاً ومحبة وتعظيماً و خوفاً و رجاءً و دعاءً و توكلاً. إن سمة الربانية في شخصية النبي صلى الله عليه وسلّم أمر لا يمكن تجاوزه عندما نذكر السنة و لزوم اتباعها، فالأمر يتعلق بحقيقة الإيمان و ليس بنوافل التطوعات التي لا تثريب على تاركها، بل إن ترك هذه السمة في حياة المؤمن يعرضه لتهديد الله سبحانه ( و من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين ) ولهذا نستطيع أن نجزم أن هذه السمة – السنة – لا يزيغ عنها إل هالك.
الأخلاقية:
كان النبي صلى الله عليه وسلّم يتمتع بشخصية أخلاقية جمعت من الكمالات البشرية ما لم يحظ به أحد من خلق الله. و بلغ صلى الله عليه وسلّم من هذه الكمالات في شمولها وعمقها ما يجعله رمزاً للكمال الإنساني يقتبس الناس من تنوع مجالاته ما شاء الله لهم من الخير. لقد شهد الله سبحانه بعلوّ قدره صلى الله عليه وسلّم في أخلاقه وشرف نفسه بقوله سبحانه ( و إنك لعلى خلق عظيم ). وشهد له سبحانه بأنه صلى الله عليه وسلّم (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) و شهد له قومه بأنه الصادق الأمين، و شهدت له زوجه خديجة رضي الله عنها عندما قالت : كَلّا واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ. و كان صلى الله عليه وسلّم يقدّر حسن الخلق و مكارم الأخلاق و يشيد بفضل من تحلّى بها من الناس و كان يقول ( إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ ). و كان يقول ( ما من شيءٍ يُوضَعُ في المِيزانِ أثْقلُ من حُسْنِ الخُلُقِ ، وإنَّ صاحِبَ حُسنِ الخلُقِ ليَبلُغُ بهِ درَجةَ صاحِبِ الصَّومِ والصلاة )ِ. هذا بالإضافة إلى طائفة كبيرة من أحاديثه عليه الصلاة و السلام التي توجه إلى آحاد الأخلاق و مكارمها حسب ما يقتضيه حال السائل أو ما تقتضيه المواقف من توجيه و إرشاد. فالرحمة و الحلم و العفو و التواضع و الرفق و السماحة و الكرم و النظافة و العدل والإعتدال و اللطف و محبة الخير و رعاية الضعيف و المسكين و كثير غيرها ، كانت من معالم شخصيته و سمت حياته صلى الله عليه وسلّم. فالنظر إلى هذا السمت الشريف من شخصيته صلى الله عليه وسلّم يجب أن لا يختزل إلى أعمال تطوعية يؤجر فاعلها و لا يعاقب تاركها . بل يجب أن تؤخذ على محمل الجد الذي نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلّم ( إن أحبكم إليّ و أقربكم مني في الآخرة محاسنكم أخلاقاً، و إن أبغضكم إليّ و أبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقاً ، الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ) .
البساطة والزهد والبعد عن التكلف:
كان صلى الله عليه وسلّم يعيش حياة البساطة، يبتعد عن تكلّف التنعم والترفه ويرضى بالقليل و ينفق مما تيسر راضي النفس غير متطلع إلى مزيد من متاع الدنيا. و كان يقول ( كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيل ) . و رغم طبيعته الراضية الزاهدة صلى الله عليه وسلّم كانت توجيهات القرآن الكريم تؤكد سمت البساطة والرضى بقوله تعالى ( لا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و أبقى ). و قد ورد في الحديث الصحيح أنه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ نام على حَصيرٍ فقامَ وقد أثَّرَ في جنبِهِ ، فقُلنا يا رسولَ اللَّهِ لوِ اتَّخَذنا لَك وِطاءً فقالَ : مالي ولِلدُّنيا ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكِبٍ استظلَّ تحتَ شجَرةٍ ثمَّ راحَ وترَكَها ). و قد أمر الله تعالى نبيه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يأخذ أهله بما أخذ به نفسه من الزهادة و البعد عن الزينة عندما طلب أزواجه نصيباً مما أفاء الله على رسوله من الفيء فقال ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنّ تردنَ الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكنّ و أسرحكنّ سراحاً جميلاً ). و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقول لأصحابه ( ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنْ أخْشَى علَيْكُم أنْ تُبْسَطَ عـلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُلْهيكُمْ كما ألْهَتْهُم )ْ. و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لا يتميز عن أصحابه بعلامة ولا سمة أو إشارة أمارة و زعامة و قد روى البخاري ( بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ علَى جَمَلٍ، فأناخَهُ في المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قالَ لهمْ: أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَّكِئٌ بيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأبْيَضُ المُتَّـكئ. . .الحديث )
و قد استعاذ النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من الفقر واستعاذ من جهد البلاء فلم يكن زهده تزكية للفقر و دعوة لتحريم الطيبات و لكن زهده صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان توجيهاً لمعالي الأمور واستعداداً لمتطلبات الدعوة و الجهاد و تنبيهاً إلى خطورة التكاثر و التنافس على المتاع والتفاخر بالزينة و التأنق، و تشجيعاً على خلق الصبر و الإحتمال لمتطلبات الدعوة و الجهاد . إن زهد النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان خلقاً و سمة بارزة و طريقة للتعامل مع متطلبات التكافل والنظر إلى حقوق الضعفاء و المساكين كأهم ما يتجلى به صدق الإيمان . فالبساطة و الزهد و البعد عن التكلف ليس عملاً تطوعياً يؤجر فاعله و لا تثريب على من تركه بل هو خلق أصيل و سمة بارزة في شخصية النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لا يزيغ عنها إلا متعرض للهلاك و الفتنة وانحلال العزيمة عن معالي الأمور.
الجدية في نشر الهداية:
من أوائل ما نزل من القرآن قول الله تعالى آمراً نبيه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ( قم فأنذر ) . و منذ تلك اللحظة استولت فكرة استنقاذ الناس من الضلالة على قلب النبي الكريم إلى الحد الذي كان يؤرقه ويزعجه حتى تكرر في القرآن الكريم نصح النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ألا يهلك نفسه شفقة عليهم و رحمة بهم فهم قد اختاروا الضلال و هم المسؤولون عن اختيارهم وكفرهم. فقوله تعالى ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) و قوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) و قوله تعالى ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) و قوله ( فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) و قوله ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين )، كل ذلك و أمثاله في القرآن الكريم فيه دلالة واضحة على تمكن سمة الجدية واستشعار المسؤولية عن هداية الناس و إرشادهم لما فيه صلاحهم و خيرهم في الدنيا و الآخرة. و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقول ( مَثَلِي ومَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نارًا، فَجَعَلَ الجَنادِبُ والْفَراشُ يَقَعْنَ فيها، وهو يَذُبُّهُنَّ عَنْها، وأنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِن يَدِي ) .و كان صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لا يترك فرصة للتعليم و الإرشاد و التزكية و النصيحة و لإقراء القرآن كما يدل على ذلك ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال : ( كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كُلِّهَا كما يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ؛ ). إن سمة الجدية في نشر الهداية واستنقاذ الناس من ورطة الجهل والضلال و الكفر هي السمة التي تمثلها أصحاب رسول الله حين انساحوا في الأرض مع حركة الجهاد فأقبل الناس على ددين الله أفواجاً و تأسست مراكز التعليم و استقر الإسلام في البلاد التي وصلها الصحابة الكرام ببركة ما أكرمهم الله به من اقتفاء سنة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وهديه و طريقته في الحياة .
التعامل السنني مع واقع البيئة العربية و عناصرها
اختار الله سبحانه نبيه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من بيت من بيوت العرب التي تتمتع بالمكانة و الشرف و ذلك لأن الله سبحانه يعلم من طبيعة العرب و أخلاقهم و عوائدهم ما يجعلهم لا يأنفون من اتباع من عرفوا مكانته و مكانة عشيرته في قومه. لقد كان قول الله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) باباً واسعاً للمتأملين في حكمة الإختيار الرباني لمحمد صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ و قبيلته قريش و بلدته مكة حيث ساهمت هذه العوامل في قبول العرب للدعوة و استجابتهم لها ولم يأنفوا من اتباع من عرفوا منزلته في أعرافهم و عوائدهم. و المتأمل في سيرة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَو خطوات نشر دعوته و مراحل مواجهة المكذبين المنكرين يجد أنه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان يتصرف بحكمة العارف لسنن الله في خلقه و العارف لأعراف قومه و عناصر بيئة العرب في جزيرتهم و ما حولها. فكان كل توجيه لأصحابه زيادة في امتلاكهم لمقومات الثبات و عناصر القوة و المنعة و تمهيداً لمزيد من التمكين. و قد كتب الدكتور عماد الدين خليل كتاباً ينعوان ( دراسة في السيرة ) بين فيه أن كل خطوة من سيرته عليه الصلاة و السلام كانت مشتملة على كل عناصر وامكانيات النجاح المتاحة في بيئته و عصره حيث لم يفته توظيف كل شيء حتى أرجل الغنم تعفّـي على آثار أسماء ذات النطاقين و هي تأتي بالزاد و أخبار قريش للمهاجرَين الكريمَـين. إن هذا النظر إلى سيرة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في التزامه الصارم لمقتضيات عالم الأسباب و المعرفة الدقيقة لمواهب الناس و طبائعهم، و المعرفة الدقيقة بأحوال العالم في جزيرة العرب و ما وراءها، و التعامل مع كل ذلك بحكمة القائد البصير، هو السنة التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
إن هذا النظر الشامل إلى سيرة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ و سنته هو النظر الذي يمكّـن من الإقتداء و التأسي. أما النظر إلى السيرة النبوية من زاوية المعجزات و الخوارق التي أيد الله بها نبيه للتثبيت و إظهار الكرامة و الفضل فليس فيه مجال للتأسي و الإقتداء. إن هذا النظر إلى شخصية النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ و معالم سيرته لا يغني عنه آحاد الفضائل و الهيئات و النوافل، وإن كانت مما يقرب الفرد من ربه و يعلي درجته عنده، ولكن الفهم لسنة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَعلى مستوى الأمة و ما ينتشر فيها من ثقافة و عادات و أعراف إن لم ينتقل إلى أفق الإقتداء بسمات شخصيته و منهج حياته فلن يرفع الأمة من وهدتها ومعاناتها و لن يضعها كما أراد الله لها خير أمة أخرجت للناس.
إن هذا النظر الشامل إلى سيرة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ و سنته هو النظر الذي يمكّـن من الإقتداء و التأسي. أما النظر إلى السيرة النبوية من زاوية المعجزات و الخوارق التي أيد الله بها نبيه للتثبيت و إظهار الكرامة و الفضل فليس فيه مجال للتأسي و الإقتداء. إن هذا النظر إلى شخصية النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ و معالم سيرته لا يغني عنه آحاد الفضائل و الهيئات و النوافل، وإن كانت مما يقرب الفرد من ربه و يعلي درجته عنده، ولكن الفهم لسنة النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَعلى مستوى الأمة و ما ينتشر فيها من ثقافة و عادات و أعراف إن لم ينتقل إلى أفق الإقتداء بسمات شخصيته و منهج حياته فلن يرفع الأمة من وهدتها ومعاناتها و لن يضعها كما أراد الله لها خير أمة أخرجت للناس.