التنوع والتعدد في ميراث النبوة
أخرج البخاري عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي، لم ُيرد منا ذلك. ُفذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحداً منهم.
و أخرج ابن حجر العسقلاني عن أبي سعيد الخدري قال : خرج رجلانِ في سفرٍ فحضرتِ الصلاةُ ، وليس معهما ماءٌ ، فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا ، فصَلَّيا ثم وجَدا الماءَ في الوقتِ ، فأعاد أحدُهما الصلاةَ والوضوءَ ، ولم يُعِدِ الآخرُ ، ثم أتَيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فذكرَا ذلك له ، فقال للذي لم يُعِدْ : أَصَبْتَ السُّنَّةَ ، وأجزأَتْكَ صلاتُك ، وقال للذي توضَّأ وأعاد : لك الأجرُ مرَّتَينِ.
قال الإمام مالك : لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلت عليه، فحدثني وسألني، فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها -يعني الموطأ- فتُنْسَخُ نُسَخًا، ثم أبعث إلى كل مِصْرٍ من أمْصَار المسلمين منها بنسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدونه إلى غيره، وَيَدَعُوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحْدَثِ، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم، قال: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، إن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم منهم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإنَّ ردَّهُمْ عَمَّا اعتقدوه تشديد، فَدَعِ الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم، فقال: لعمري! لو طاوعتني على ذلك لأمرت به”.
والتقى الأوزاعي بأبي حنيفة في مكة ، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. فقال الأوزاعي: كيف وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه.
فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعود لشيء من ذلك.
فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم، عن أبيه وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟
فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، وإن كان لابن عمر فضل صحبة فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هـو عبد الله، فسكت الأوزاعي.
ونقل عن أبي حنيفة أنه قال: (هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به.
قال ابن تيمية رحمه الله : صنف رجل كتاباً في الإختلاف فقال له الإمام أحمد لا تسمه كتاب الإختلاف ولكن سمه كتاب السعة. يريد بتسميته بذلك أنه تعدد المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبساط السنة فسيح وفيه سعة.
قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله : ما يسرني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو اجتمعوا على قول واحد فخالفهم رجل كان ضالاً ، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا و رجل بقول هذا كان في الأمر سعة..
ولذلك كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة.
عند التأمل في ما أوردناه من النقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء السلف يتبين أن الإختلاف في الفروع أمر سائغ أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره. وكذلك لم يتحرج الصحابة الكرام من تعدد الفهم أو تعدد المرويات، ولم يرد عنهم أو عن التابعين أن وصفوا من خالفهم في الإجتهاد أو الفهم بالبدعة أو مخالفة السنة أو الضلال أو عدم القبول عند الله، بل كانوا يعرفون تعدد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويسلّمون دون اعتراض ولا يخرجهم الإختلاف في الرأي عن ما يجب لإخوانهم من الحب في الله والتناصح وسلامة الصدر.
لقد كان تعدد الإجتهادات وتنوع طرائق الفهم أمراً مستقراً عند الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين و من أخذ بما أفتوا فيه من المسائل من تلامذتهم. وكانت مشاعر الأخوّة والإحترام و سعة الصدر لمفهوم التعدد والتنوع أمراً يعصم من الإختلاف المذموم الذي يحمل على البغي على المخالف والتعصب. إن الادعاء بأن الإجتهاد المخالف هو بدعة أو مخالف للسنة أو أنه لا يُـقبل عند الله، كان انتكاساً عن ما استقر من وجوب المحبة في الله وحسن الظن بالمؤمنين مما أوغر الصدور وأفسد ذات البين وطبع العلاقة بين أتباع المذاهب في العصور التي تلت خير القرون بالتشرذم والحزبية. ولا أدلّ على أن ما ذكرناه عن التعدد والتنوع في فهم تراث النبوة من ما قاله الشيخ ولي الله الدهلوي في ( حجة الله البالغة ) : أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر فيها أقوال الصحابة في الجانبين، كتكبيرات التشريق، وتكبيرات العيدين، ونكاح المحرم، وتشهد ابن عباس وابن مسعود، والافتتاح بالبسملة وتأمين، والامتناع والإيثار في الإقامة، ونحو ذلك، إنما هو في ترجيح أحد القولين. وكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية، وإنما كان خلافهم في أولى الأمرين، ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءة. وقد عللوا كثيراً من هذا الباب بأن الصحابة مختلفون وأنهم جميعاً على الهدى. ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية، ويسلمون قضاء القضاة، ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم، ولا ترى أئمة المذاهب في هذه المواضع إلا وهم يصححون القولين ويبينون الخلاف، يقول أحدهم: هذا أحوط، وهذا هو المختار، وهذا أحب إلي، ويقول: ما بلغنا إلا ذلك… وهذا كثير في “المبسوط” وآثار محمد رحمه الله وكلام الشافعي رحمه الله. ويتابع الشيخ الدهلوي فيقول : وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها. وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك.ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟ وروي أن أبا يوسف ومحمدًا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس، لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله، فلم يقنت تأدباً معه، وقال أيضاً: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق. وقال مالك رحمه الله للمنصور: يا أمير المؤمنين، لا تجعل هذا العلم على الناس كتاباً واحداً، فيضلوا، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم عن عالمهم، فوسع عليهم. انتهى
وعند التأمل في النقول التي وردت عن علماء السلف بشان سعة الصدر لتعدد و تنوع المرويات في صور وهيئات العبادات، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم وهوأن الأمثلة التي يسوقها علماء السلف في هذا الموضوع تتعلق بشعائر العبادة التي يفترض فيها الثبات، فلماذا لا يذكر شيء عن أمثلة الإختلاف في أحكام المعاملات. ويستطيع المرء أن يجزم أن علماء السلف اعتبروا الإختلاف في أحكام المعاملات أمراً طبيعياً سائغاً لا حاجة لتقريره في مجال مشروعية التعدد والتنوع لأن أحكام المعاملات تتعلق شرعاً بتحيق المصالح وقيم العدل والقسط، وتتعلق بالأعراف والعوائد في البيئات المختلفة، وتتعلق بالواقع وفهم حقيقة ما يجري فيه وما يحيط به من قرائن السياق والمآلات.
وانتقل ميراث النبوة بتعدده وتنوعه عبر جيل الصحابة الكرام و تابعيهم بإحسان في الحجاز والعراق و مصر والشام وبرز مجموعة كبيرة من العلماء المجتهدين وعرفت لهم جهود في حفظ تراث النبوة والبناء عليه في الفتوى في ما جدّ من نوازل. ولكن أربعة من هؤلاء العلماء قيّض الله لهم تلامذة أخذوا عنهم وعملوا على ضبط الصلة وبيان ارتباط ما أفتى به هؤلاء العلماء المجتهدون بمرويات تراث النبوة وآثار السلف، فانضبط التعدد والتنوع وانحصر في أربعة مذاهب، وهي مذاهب أبي حنيفة النعمان ومالك والشافعي و أحمد ابن حنبل رحمهم الله ورضي عنهم.
وتلقت الأمة مذاهب هؤلاء الأئمة على أنها تمثل متابعة منضبطة لمبدإ التعدد والتنوع في السنة النبوية. وأثبت العلماء من فقهاء المذاهب عبر جهودهم المتواصلة في التنقيح والتخريج والترجيح أن فتاوى الأئمة لا تخرج عن المقبول من ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تعدد وتنوع مرويات تراث السنة لا يخرج عما اجتهد علماء المذاهب في الفروع العملية إلا في القليل النادر مما روي عن غيرهم من الأئمة المجتهدين.
إن التعصب الذي يحمل على البغي على المخالفين ويفرق جماعة المسلمين، يبدأ من إنكار قضية التعدد و التنوع في تراث النبوة، ويبدأ بإدعاء أن هناك صورة واحدة لما يمكن أن يُدعى سنّة في الفروع العملية، وأن كل ما عدا هذه الصورة يمثل الضلال والخروج عن الحق إلى الرأي والهوى وتقليد الرجال.
و قد تسربت العصبية إلى أتباع المذاهب و وصلت إلى حزبية وقطيعة ظن معها العوام و الطغام أن أتباع المذاهب الأخرى ليس لهم حرمة الإسلام و حقوق أخوة الإيمان. واختفت من الخطاب الديني فكرة التسامح التي تؤكدها فكرة التنوع والتعدد في تراث النبوة، وأن القبول عند الله ليس حجراً على المنتسبين لمذهب معين أو المتبعين لفتوى معينة في أمر من الفروع العملة الإجتهادية.
وأظن أن من أهم متطلبات ترشيد الصحوة الدينية التأكيد على فكرة التعدد والتنوع في تراث النبوة، وأن القبول عند الله لا ينحصر باتباع قول محدد من فتاوى العلماء، وأن المذاهب التي نقلت وضبطت تنوع تراث النبوة هي المجال الذي يحدد امكانيات التعدد حتى لا يصل الأمر إلى فوضى علمية وجرأة على الفتوى بغير علم.
وختاماً أود أن أشير إلى ملاحظة في صياغة المختصرات الفقهية المذهبية وهي أنها في أغلب الأحيان لا تبرز الدليل المعتمد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فيجب الإهتمام بذلك حتى تتأصل فكرة الإقتداء بتراث النبوة ولا يظن جاهل أن ما أفتى به مجتهدو المذاهب هو رأي لا علاقة له بمرويات السنة وفهم القرون المشهود لها بالخير.