يقرر العلماء أن الخطأ المغفور في الإجتهاد يتناول المسائل الإعتقادية والأمور الفقهية العملية على حد سواء.
وقد عالج كثير من العلماء قضية الإختلاف في الأمور الفقهية العملية وقرروا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم يشير بوضوح إلى وجود التنوع والتعدد المقبول في فهم هدي السنّة النبوية. وقد أدى هذا التنوع والتعدد إلى بروز المذاهب الفقهية التي دونت وضبطت ما روي عن النبي وأصحابه الكرام لتأصيل التنوع وضبط التعدد في طرق الفهم والإستنباط بحيث لا يخرج ما أفتى به واختلف فيه فقهاء المذاهب الأربعة عن مجموع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفهم صحابته الكرام.
ولكن التعامل مع قضايا العقيدة بمنطق التنوع والتعدد ووجود مجال للإجتهاد في قضاياها لم يكن بهذه السهولة والوضوح. فقضايا العقيدة تتعلق بالتصورات وأخبار الغيب التي ينحصر مصدر تلقيها بالخبر الصادق صريح الدلالة من الرسول المعصوم.
لقد اطمأن الجيل الأول من المؤمنين لما نزل من القرآن في كل ما تحدث عنه من أخبار الغيب سواء كان ذلك مما يجب الإيمان به من صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى وما يجب له من التقديس والتنزيه، أو كان ذلك الغيب من أخبار يوم القيامة والبعث و النشوروالحساب والجزاء، أوكان ذلك الغيب عن مخلوقات من غير جنس الإنسان كالملائكة والجن.
لقد كان إيمان الجيل الأول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كل قضايا الغيب إيماناً إجمالياً مدركاً أن تفاصيل كيفياته وحقائقه لا يمكن للعقل البشري ادراكها على حقيقتها لأنها تنتمي إلى عالم آخر لم يعط الإنسان إمكانات فهمه.
لقد فهم الجيل الأول من كل ما ورد من أخبار الغيب أنهم مطالبون بفهم ما يلزم عنها في عالم التكليف وما ينبني عليها من عمل القلب والجوارح تصديقاً و تعظيماً و هيبة وخوفاً ورجاءً ومراقبةً، فكفّـوا عن الخوض في كيفياتها. واعترفوا بالعجز عن إدراك الذات الإلهية وأمسكوا عن الخوض والسؤال عن حقيقة صفات الله تعالى، وأدركوا أن ما ذكر منها في القرآن لا يمكن فهمه وتفسيره بالمقياس الإنساني الذي يستلزم الجارحة والجسم والتحيز و الجهة وغيرها من لوازم الصفات البشرية وما فطر عليه العقل الإنساني للتعامل مع عالم الشهادة.
وقد أدى وجود الوافدين الجدد إلى الإسلام من أبناء البلاد التي وصلها المسلمون إلى بروزِ مواجهة ثقافات جديدة وعقليات جديدة لا تطمئن في فهمها لصفات الله عز وجل إلى ما اطمأن إليه الجيل الأول من التفويض والإمساك عن التفسير. فانبرى العلماء الذين تصدوا لمعالجة شبهات الوافدين لشرح وبيان وتبسيط قضايا الإعتقاد مما اضطرهم إلى الإجتهاد في وسائل البيان.
وكان أول ما اجتهدوا فيه هو تأويل صفات الله عز وجل التي توهم مشابهته لخلقه مثل اليد والعين والجنب وغيرها بما يؤكد التقديس والتنزيه عن مشابهته لخلقه وذلك بما تجيزه لغة العرب من الإستعمال المجازي للعبارات بصرف معانيها إلى معنى آخر له بالمعنى الأصلي صلة وعلاقة. فعندما يستحيل في حق الله تعالى الإتصاف بالجسم أو الجارحة لابد لمن عجز عن الإطمئنان للتفويض من أن يفهم المعنى المجازي للصفات بما يؤكد التنزيه والتقديس ويصرف المعنى الذي يفيد الجسم والجارحة إلى معنى مجازي آخر تسيغه اللغة واستعمال العرب في زمن التنزيل. فأصبح التأويل بالمعنى المجازي للعبارات التي لاتصح حقيقتها اللغوية في حق الله تعالى ضرورة لمن لا يستطيع الإطمئنان إلى التفويض الذي يكلّفه ما لا يطيق مما تنزهت عنه شريعة الرحمة. وقد صرّح العلماء أن هذا التأويل يصار إليه عند من لا يطمئن ويفهم التفويض الذي هو الأصل الذي نرجع إليه.
وبالإضافة إلى بيان العقيدة للوافدين إلى الإسلام من أبناء البلاد المفتوحة، فقد تصدى فريق من العلماء للرد على الذين يثيرون الشبهات من المجوس والزنادقة واليهود والنصارى. ونجحوا في بيان مغالطاتهم والرد على شبهاتهم بحجج عقلية ومنطقية أسكتت كيدهم وردّت فتنتهم. لقد نجح هؤلاء العلماء في رد فتنة الزنادقة بما اجتهدوا من صياغة حجج عقلية ومنطقية. ولكن هذا النجاح لم يخل من من سلبيات ومبالغات ابتلي بها هؤلاء العلماء فقد تاثروا باسلوب ردهم بالحجج العقلية فدخلوا إلى القرآن بمقررات عقلية سابقة يجعلونها حكماً على القرآن خلافاً لما يجب أن يكون عليه حال المسلم في التلقي عن القرآن وفهمه.
وقد أحسن الشيخ محمد أبو زهره رحمه الله في بيان ما وقع لمن تصدى لردّ الشبهات وجدال الزنادقة بقوله أن الجدال هو نوع من النزال والمحاربة، والمحارِب مأخوذ بطرق محارِبه في القتال ومقيد بأسلحته ودارس لمراميه و خططه، وكل ذلك يجعل الخصم متأثر بخصمه. وبالجملة فإن للعدوتأثير في مجال صراع الأفكار ليس بأقل من تأثير الحليف فيه. فالذين تصدوا للزنادقة وأهل الأهواء اضطروا في دحض شبهاتهم ومشاغباتهم إلى استعمال الإفحام العقلي والإلزام المنطقي، حتى إذا زالت الشبهات أمكن الرجوع إلى التسليم والتفويض في فهم تنزيه الذات الإلهية. فالإجتهاد في طرق دفع الشبهات سائغ ومطلوب، ولكن لستصحاب ما لزم من الوسائل في هذا الدفع إلى مجال تقرير العقيدة كما بينها القرآن الكريم وفهمها الصحب الكرام هو خطأ منهجي وقع فيه العلماء الذين تسموا فيما بعد بالمعتزلة عندما تصدوا لدفع شبهات الزنادقة.
وقد بالغ المعتزلة في نزعتهم العقلية ودخلوا إلى مجال تفسير القرآن بمقررات عقلية مسبقة يحاكمون إليها ما قرره القرآن، وجاؤوا أحياناً بشذوذات وآراء لا سند لها إلا التحكمات العقلية وخاصة في قضايا تتعلق بعالم الغيب. فتصدى لهم الفقهاء و المحدثون للوقوف في وجه المبالغات والشذوذات، واحتدم الصراع بين الفريقين وتنابزوا بالألقاب و رموا بعضهم بعضاً بالحق و بالباطل. ولكن المنصفين من أهل العلم قرروا باعتدال أن شذوذات المعتزلة لا تخرجهم من دائرة الإيمان وأن المنهج الحق في معالجة قضايا الإختلاف أن لا نكفر أحداً من أهل القبلة وأن التأويل الفاسد ينفي الكفر على الجملة ولكن لا ينفي الإثم والمعصية والتبديع. وأن التأويل الفاسد هو مجال النصيحة والمناقشة العلمية بعرض الأدلة، مع بقاء أخوّة الإيمان وبقاء حرمة المسلم في دمه وماله وعرضه حداً يمنع من البغي و العدوان على النخالفين.
ومن أمثلة الخلاف الذي يحتمل التعدد والتنوع ما جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية من نسبة الأفعال والأقوال إلى أشياء مما لم تجر العادة في واقع الحياة ومجاري العادات أن تنسب إليها. وقد انقسم العلماء في بيان هذا الأمر إلى طريقتين :
إحداهما ترى الوقوف على ظاهر العبارة دون تأويل مع إحالة عدم فهمنا للكيفيات إلى الإيمان بالغيب وقدرة الله سبحانه أن يخلق في الأشياء ما لم تجر العادة على صدور الأفعال والأقوال منها. ومن ذلك ما ذكره ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى ( يومئذ تحدث أخبارها ) : والتحديث حقيقته أن يصدر كلام بخبر عن حَدث. وورد في حديث الترمذي عن أبي هريرة قال” قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ تحدث أخبارها } قال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عَمل كذا وكذا فهذه أخبارها ” اهــــ.
والطريقة الثانية تعتمد الإحالة إلى صرف الكلام عن ظاهره وفهمه على طريقة العرب في تصاريف كلامها من استعمال التشبيه والتمثيل والإستعارة والكناية والمجاز العقلي إلى معنى آخر يتصل بالمعنى الحرفي بعلاقة من علاقات المجاز التي تستعملها العرب في البيان وتصريف المعاني. وقد قرر الشيخ ابن عاشور في تفسيره أن قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ) هو تمثيل شدة الأمر وهول الموقف وليس هناك ساق ولا كشف. وقوله تعالى ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) والقول على هذا الوجه مستعار لتعلق القدرة بالمقدور كما في قوله تعالى ( أن يقول له كن فيكون ). وقوله (طَوْعاً أوْ كَرْهاً ) كناية عن عدم البدّ من قبول الأمر وهو تمثيل لتمكن القدرة من إيجادهما على وفق إرادة الله تعالى فكلمة { طَوْعاً أو كَرْهاً } جارية مجرى الامثال. أي طائعين أو كارهيْن. والوجه الثاني أن تكون جملة ( فَقَالَ لَهَا ولِلأرْضِ ائتنا طَوْعاً أوْ كَرْهاً ) مستعملة تمثيلاً لهيئة تعلق قدرة الله تعالى لتكوين السماء والأرض، فلا قول ولا مقول، وإنما هو تمثيل.
وقوله تعالى ( النجم والشجر يسجدان ) فقد قرر معظم المفسرين أن معنى يسجدان أنهما ينقادان لله فيما يريد بهما طبعاً، انقيادَ الساجد من المكلّفين طوعاً. فهو استعارة مصرّحة تبعيّة، شبّه جريهما على مقتضى طبيعته، بانقياد الساجد لخالقه.
ويقرر العلماء عند تفسير الآيات المشابهة لتلك الأمثلة المتقدمة الوجهين من التأويل دون إنكار أو استبعاد لأحدهما. ولكن الطريف أن الإمام ابن حزم الظاهري الذي نتوقع منه الإنحياز إلى القول بالوقوف على ظاهر اللفظ في تأويل قول الله تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ). بالغ في رد القول الأول واختيار الثاني في كتابه (الملل والنحل) بما يفتح العين على طبيعة المسالجة بين العلماء وخطإ التسرع في الحكم على مواقفهم وآرائهم.
قال رحمه الله: وقد علمنا بضرورة الحس أن الله تعالى إنما خص بالنطق – الذي هو التصرف في العلوم ومعرفة الأشياء على ما هي عليه، والتصرف في الصناعات على اختلافها – الإنسانَ خاصة. وأضفنا إليهم بالخبر الصادق الجن والملائكة. ثم قال رحمه الله: وقد قاد السخف بعضهم إلى أن جعل للجمادات تمييزاً لمثل قوله تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } ونحوه من الآيات. ولا حجة لهم فيه لأن القرآن واجب أن يحمل على ظاهره كذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن خالف ذلك كان عاصياً لله عز وجل مبدلاً لكلماته ما لم يأت نص في أحدهما أو إجماع متيقن أو ضرورة حسّ على خلاف ظاهره فيوقف عند ذلك. وبكون من حمله على ظاهره حينئذ ناسباً الكذب إلى الله عز وجل أو كاذبا عليه وعلى نبيّه عليه السلام نعوذ بالله من كلا الوجهين. وإذ قد بينا قبلُ بالبراهين الضرورية أن الحيوان (غير الإنس والجن والملائكة). لا نطق له. نعني أنه لا تصرف له في العلوم والصناعات. وكان هذا القول مشاهداً بالحس معلوما بالضرورة، لا ينكره إلا وقح مكابر لحسه، وبيّنا أن كل ما كان بخلاف التمييز المعهود عندنا فإنه ليس تمييزا. وكان هذا أيضا يعلم بالضرورة والعيان والمشاهدة – فوجب أنه بخلاف ما يسمى في الشريعة واللغة نطقاً وقولاً وتسبيحاً وسجودا. فقد وجب أنها أسماء مشتركة اتفقت ألفاظها وأما معانيها فمختلفة، لا يحل لأحد أن يحملها على غير هذا لأنه إن فعل كان مخبرا أن الله تعالى قال ما يبطله العيان والعقل الذي به عرفنا الله تعالى، ولولاه ما عرفناه.
فاللفظ مشترك والمعنى هو ما قام الدليل عليه. بيان ذلك: أن التسبيح عندنا إنما هو قول (سبحان الله وبحمده) وبالضرورة نعلم أن الحجارة والخشب والهوامّ والحشرات والألوان لا تقول: (سبحان الله بالسين والباء والحاء والألف والنون واللام والهاء) هذا ما لا يشك فيه من له مسكة عقل. فإذ لا شك في هذا فباليقين علمنا أن التسبيح الذي ذكره الله تعالى هو حق وهو معنى غير تسبيحنا نحن بلا شك. فإذ لا شك في هذا فإن التسبيح في أصل اللغة هو تنزيه الله تعالى عن السوء. فإذ قد صح هذا فإن كل شيء في العالم بلا شك منزَّه لله تعالى عن السوء الذي هو صفة الحدوث. وليس في العالم شيء إلا وهو دالّ _ بما فيه من دلائل الصنعة واقتضائه صانعاً لا يشبهه_ على أن الله تعالى منزه عن كل سوء ونقص. وهذا هو الذي لا يفهمه ولا يفقهه كثير من الناس كما قال تعالى { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فهذا هو تسبيح كل شيء بحمد الله تعالى بلا شك. وهذا المعنى حق لا ينكره موحد.
فإن كان قولنا هذا متفقاً على صحته. وكانت الضرورة توجب أنه ليس هو التسبيح المعهود عندنا، فقد ثبت قولنا وانتفى قول من خالفنا بظنه.
وأيضاً فإن الله تعالى يقول: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } والكافر الدهريّ شيء لا يشك في أنه شيء وهو لا يسبح بحمد الله تعالى البتة فصح ضرورة أن الكافر يسبح إذ هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد الله تعالى. وإن تسبيحه ليس هو قوله: (سبحان الله وبحمده) بلا شك. ولكن تنزيه الله تعالى بدلائل خلقه وتركيبه عن أن يكون الخالق مشبها لشيء مما خلق وهذا يقيني لا شك فيه.
فصح بما ذكرنا أن لفظة (التسبيح) هي من الأسماء المشتركة، وهي التي تقع على نوعين فصاعدا. انتهى كلام ابن حزم.
وعند التأمل فيما قاله ابن حزم رحمه الله يتبين الخطأ الكبير الذي يقع فيه كثير من الذين يميلون إلى التصنيف النمطي للعلماء أو المذاهب. فابن حزم الظاهري وابن عاشور الأشعري يتنافسان في ابراز وتقرير التنزيه والتقديس لذات الله عز وجل. فالتنابز بألقاب التشبيه والتجسيم في حق من وقف على ظاهر النص متحرجاً من التأويل، وكذلك التنابز بألقاب التعطيل والإلحاد في حق من أخذ بالتأويل لصرف المعنى الحرفي الموهم للجسم والجارحة في حق الله تعالى إلى معنى آخر تسيغه اللغة ويليق بجناب الله سبحانه، وذلك تيسيراً على من لا يطيق التفويض، هو خطأ وبغي وحزبية لا تستقيم مع ما قرره العماء من وجود فسحة للتعدد والتنوع في الأمور الإجتهادية التي تتعلق بصياغة قضايا العقيدة بما يفهمه الناس ويطمئنون إليه.
وقد جاء الشيخ الغزالي رحمه الله في مقدمة كتابه القيّم ” عقيدة المسلم ” بتحـليل دقيق لواقع كتب العقيدة وما يعرف بعلم الكلام أو علم التوحيد وأشار إلى وجوب تجاوز اسلوبها النظري الجاف الذي ينظم المقدمات ويستخلص النتائج كما تصنع الآلات الحاسبة في عصرنا، أو الموازين التي تضبط أثقال الأجسام ثم تسجل الرقم وتقذف به للطالبين. بيد أن الإسلام في تكوينه للعقيدة يخاطب القلب والعقل ويستثير العاطفة والفكر ويوقظ الإنفعالات النفسية مع إيقاظه للقوى الذهنية. وقد أشار الشيخ إلى وجوب تجاوز ظروف نشأة علم الكلام وتجاوز ما تحمله من شحناء المعارك السياسية والمذهبية التي استهلكت العقل المسلم قروناً طويلة. ويعتبر ما قدمه الشيخ الغزالي في كتابه نموذجاً للإجتهاد المطلوب للتجديد في اسلوب عرض العقيدة، ترتبط فيه حقائق الإيمان بنوازع الفطرة والعاطفة لتكون العقيدة باعثاً على العمل وتزكية للنفس، ولا تحصر الإيمان في صياغات عقلية وقوالب لفظية ليس فيها ما يرتقي بالروح ويحرك الوجدان.
ولعل من أهم ما يجب الإنتباه إليه والإجتهاد فيه في هذا العصر هو صياغة خطاب ديني يدرك الناس من خلاله حقيقة المادية الطاغية التي تحكم فكر الحداثة وصياغاته العلمانية في جميع مجالات الحياة. لقد طغى النموذج الحداثي الغربي على كثير من المثقفين المسلمين حتى المتدينين منهم فأفقدهم القدرة على استحضار المرجعية القرآنية التوحيدية عند معالجة مشكلات الفكر والواقع.
إن الفهم العميق لحقيقة ضغوط وإكراهات الحداثة والنموذج العلماني على واقع المسلمين في جميع مجالات الحياة هو التحدي الذي يجب أن تتوجه إليه الجهود للإجتهاد في تحرير صياغات عملية متوازنة تسـتحضر معنى التوحيد وتتعامل مع إكراهات المادية الطاغية بوعي وبصيرة. وعند ذلك يدرك كل من كان عنده مسكة من عقل وحكمة، أن اجترار سجالات المدارس التراثية في تقرير العقيدة، هو مضيعة للوقت وهروب من معالجة تحديات الواقع إلى نشوة كاذبة بترديد ما تحاور فيه الأقدمون دون محاولة للإستفادة منه في معالجة التحديات المعاصرة.
وقد أشار الدكتور عبد المجيد النجار إلى أهمية الإجتهاد في توسيع ما يندرج تحت مسمى العقيدة، وذلك في دراسة نشرها بعنوان ” دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية ” . فبعد أن عرض إلى نشأة علم الكلام و كيف كان مدلول العقيدة يشمل مساحات من القضايا تزداد حسب ما كان يتعرض له المسلمون من التحديات الخارجية من قبل أهل الأديان والثقافات الأخرى أو تحديات داخلية من قبل تفاعلات الحياة الإجتماعية. وبمرور الزمن أصبح كثير من متأخري المسلمين يقع في نفوسهم الظن بأن مدلول العقيدة الإسلامية إنما هو محدود بحدود المسائل التي انتظمها علم الكلام وانغلق عليها بحكم توقفه عن النمو قروناً طويلة.
و لو تأملت أوضاع المسلمين من حيث مدلول العقيدة في أفهامهم كما انتهى إليه الأمر منذ قرون و كما هو معلوم عند عامة المسلمين بل عند كثير من خاصتهم المتعلمين و عند بعض المتخصصين في علوم الدين , لو تأملت لوجدت أن هذا المدلول يتركز على القضايا الأساسية في العقيدة و هي الإيمان بالله و النبوة و الوحي و الملائكة و اليوم الآخر و القدر و ما هو مندرج ضمنها , و أنه لا يتسع لمسائل أخرى ذات معانٍ عقدية أيضاً يُـدخل التصديق بها في دائرة الإيمان و يُـخرج التكذيب بها إلى دائرة الكفر و من أمثلتها مسألة حاكمية الشريعة الإسلامية و موالاة الكفار و الروح كجزء من التركيب الإنساني و مهمة الخلافة في الأرض كغاية لحياة الإنسان و العدالة الإجتماعية كقاعدة في بناء المجتمع , فهذه المسائل وأمثالها رغم ما لها من مدخل في تحقيق الإيمان وعدمه إلا أنها لا تدخل اليوم ضمن دائرة المدلول العقدي عند كثير من المسلمين وإنما هي عندهم مسائل شرعية لا ترقى إلى درجة الإعتقاد و لا تراها تدرج في اهتماماتهم التعليمية والدعوية ضمن المؤلفات والبيانات العقدية .
وقد دعا الدكتور النجار في بحثه إلى ترشيد مدلول العقيدة وما يستلزمه من إدخال العديد من المفاهيم في الوعي العقدي للأمة لإعادة الأمور إلى نصابها والوضع الذي كانت عليه في النصوص. وذلك مثل القضايا ذات البعد الاستخلافي والقضايا ذات البعد الاجتماعي والبعد الكوني والتشريعي، وهي في عمومها ذات صلة ببعضها وتبلغ مبلغ التداخل .